المملكة الشريفةمختارات

قانون الجنسية الإسبانية للصحراويين: قراءة مغربية في المكاسب والمخاطر

جاء رد المغرب على تصويت مجلس النواب الإسباني محسوباً بدقة. أصدرت وزارة الخارجية بلاغاً يوم 10 سبتمبر 2026 تحدثت فيه عن “مبادرات غير موفقة تزرع الشقاق”، وأكدت أن المملكة “ترفض أن تكون بيدقاً انتخابياً أو كبش فداء في تصفية الحسابات السياسية”. لم يستدعِ المغرب سفيراً، ولم يعلن أي إجراء مضاد.

قد يبدو هذا الهدوء لغير المتابع تقليلاً من شأن القرار. لكن فهمه يمر عبر ثلاثة مستويات: السياق الإسباني الذي أنتج القانون، والمسار الإجرائي الطويل الذي ما زال أمامه، ثم ميزان الفرص والمخاطر التي يحملها لمستقبل الصحراء المغربية.

القانون في سياقه الإسباني

القانون شأن داخلي إسباني قبل أن يكون رسالة إلى الرباط. قدمه حزب “سومار”، وهو حزب يتآكل انتخابياً ويبحث عن قضايا تميزه عن شريكه الاشتراكي. وتبنته النائبة ذات الأصل الصحراوي تيش سيدي كقضية شخصية.

أما الحزب الاشتراكي فانتقل من رفض المقترح سنة 2024 إلى دعمه، لسببين: صفقة برلمانية مع سومار، ورغبة في رد تهمة “الخضوع للمغرب” بعد أحداث سبتة يوم 30 يوليو. وحصل على ذلك بكلفة منخفضة، لأن الحكومة لم تمس بإعلان 2022 الداعم لمبادرة الحكم الذاتي. وامتنع الحزب الشعبي عن التصويت، فمرّ النص بـ168 صوتاً مقابل 31 لحزب فوكس.

هذه الازدواجية بين حكومة ملتزمة دبلوماسياً وبرلمان يرسل الإشارات تمنح مدريد ما يسميه علماء السياسة “لعبة المستويين”. تستطيع أن تقول للرباط إن يديها مقيدتان بالبرلمان، وأن تقول لناخبيها إنها لم تتخلّ عن الصحراويين.

مسار معلق: القانون بين مجلس الشيوخ والتقويم الانتخابي

ما احتفلت به بعض المنابر كقانون نافذ لا يزال مقترحاً في منتصف الطريق. تنص المادة 90 من الدستور الإسباني على إحالة النص إلى مجلس الشيوخ، حيث يملك الحزب الشعبي الأغلبية المطلقة وحده. ولمجلس الشيوخ شهران من تاريخ الاستلام، أي حتى أواخر نوفمبر 2026 تقريباً، ليختار بين ثلاثة مسارات:

المسار الأول: الموافقة دون تعديل. يصدر القانون في ديسمبر 2026. وهو الاحتمال الأضعف، إذ لا مصلحة للحزب الشعبي في منح سومار انتصاراً كاملاً.

المسار الثاني: إدخال تعديلات. يعود النص إلى مجلس النواب، فيحسم فيها بالأغلبية البسيطة، ويصدر القانون بين ديسمبر 2026 وفبراير 2027 بحسب جدول الجلسات. وهو المسار الأرجح. فالحزب الشعبي امتنع في مجلس النواب، وأعلنت متحدثته أنه لن يضع “عراقيل”. كما أنه دافع تاريخياً عن صيغة أضيق تكتفي بتقليص مدة الإقامة. والتعديل يتيح له تشديد الوثائق وتضييق الفئات المشمولة بلغة “الأمن القانوني”.

المسار الثالث: الاعتراض بالفيتو. هنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً. أمام مجلس النواب طريقان لتجاوز الفيتو:

  • فوراً، بالأغلبية المطلقة البالغة 176 صوتاً. القانون لم يحصل إلا على 168.
  • بعد انتظار شهرين، بالأغلبية البسيطة. يعني ذلك تصويتاً في فبراير 2027. غير أن الحزب الشعبي سيصوّت حينها على الأرجح بالرفض بدل الامتناع، فتصل كتلة الرافضين مع فوكس واتحاد الشعب النافاري إلى نحو 171 صوتاً. في المقابل لا تتجاوز الكتلة الداعمة نحو 175 صوتاً حتى بانضمام حزب “جونتس” الكتالوني، وهو على خلاف مع الاشتراكيين. بهامش بهذا الضيق، يكفي غياب بضعة نواب ليسقط القانون.

مجلس الشيوخ وحده لا يملك قتل القانون، لكنه يملك أدوات وأده. هناك ثلاثة طرق لموته فعلياً:

  1. فيتو يعقبه فشل في تجاوزه خلال تصويت فبراير 2027.
  2. حل البرلمان قبل اكتمال المسطرة. كل نص لم تُستكمل إجراءاته يسقط تلقائياً عند الحل. والانتخابات مستحقة في صيف 2027، وقد يعجّل بها رئيس الحكومة إذا تعثرت الميزانية أو تفجرت أزمة سياسية. وقد سبق أن سقطت مبادرة مماثلة بهذه الطريقة في ولاية سابقة.
  3. الموت البطيء بعد الصدور. يمنح القانون مهلة ثلاث سنوات لتقديم الطلبات، قابلة للتمديد سنة، ويمنح الحكومة سنة للبت في كل طلب. وتبقى التعليمات التطبيقية بيد وزارة العدل. فحكومة يقودها الحزب الشعبي بعد 2027 لن تحتاج إلى إلغاء القانون، بل يكفيها تشديد التعليمات وإبطاء البت.

الخلاصة الإجرائية: مصير القانون مرتبط بموقف الحزب الشعبي في مجلس الشيوخ قبل نهاية نوفمبر، ثم بنتيجة انتخابات 2027، أكثر مما هو مرتبط بتصويت 10 سبتمبر.

لماذا اختارت الرباط الهدوء؟

في ضوء هذا المسار يبدو الرد المغربي قراءة دقيقة لموازين اللحظة، لا تجاهلاً للقرار:

  • النص لم يكتمل. قد يُعدَّل، أو يتعثر، أو يُجمَّد في التنفيذ. ولا معنى لإطلاق رد على نص قد يتغير جوهره خلال أسابيع.
  • التصعيد قد يأتي بنتيجة عكسية. رد مغربي حاد كان سيضع الحزب الشعبي في موقف حرج، ويدفعه إلى تبني القانون أو تمريره كي لا يبدو خاضعاً للضغط المغربي. الهدوء يترك له هامش المناورة الذي قد يُفرغ النص من محتواه دون أن تطلب الرباط ذلك.
  • أي إجراء مضاد بعد أحداث سبتة سيؤكد تهمة الابتزاز التي تروجها المعارضة الإسبانية، ويُضعف حكومة سانشيز التي تُعد من أكثر الحكومات الإسبانية انفتاحاً على الرباط منذ عقود.
  • التصعيد يمنح القانون وزناً سيادياً لا يستحقه. منذ القرار الأممي 2797 في أكتوبر 2025، الذي وضع مبادرة الحكم الذاتي في قلب المسار التفاوضي، صارت رواية الرباط أن النقاش انتقل إلى تفاصيل التطبيق. ورد فعل مبالغ فيه على قانون جنسية يناقض هذه الرواية.

ولذلك جاءت صياغة “البيدق الانتخابي” ذكية. فهي تضع القانون في خانة التنافس الحزبي الإسباني، وتفصله عن العلاقة مع الحكومة الشريكة.

الفوائد المحتملة

1. الإحصاء المؤجل منذ نصف قرن. دعا المغرب لعقود إلى تسجيل سكان مخيمات تندوف فردياً، وجدد السفير عمر زنيبر مؤخراً دعوة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى الانتقال من “إدامة المساعدة” إلى “الحلول الدائمة”. وإذا صدر القانون فسيُجري عملياً هذا الإحصاء عبر طلبات الجنسية الموثقة، دون أن تستطيع الجزائر تعطيله. وإذا جاء عدد المتقدمين من المخيمات بعيداً عن رقم 173,600 المعتمد في خطط الأمم المتحدة، فستكتسب الأطروحة المغربية سنداً أوروبياً لم يكن متاحاً من قبل.

2. تآكل القاعدة البشرية للمخيمات. تنص اتفاقية اللاجئين لسنة 1951 على انتهاء صفة اللاجئ لمن يكتسب جنسية جديدة ويتمتع بحمايتها. سيحدث ذلك تدريجياً، وسيلتقي مع ما نقلته الصحافة عن موجات التجنيس الموريتاني سنتي 2013 و2023. وكلاهما يصب في اتجاه تفكيك الورقة البشرية التي استثمرتها الجزائر خمسين عاماً.

3. أغلبية المستفيدين مغاربة. أغلب المولودين في الإقليم قبل 1977 يعيشون اليوم في العيون والسمارة وبوجدور والداخلة ويحملون الجنسية المغربية. وإذا تقدموا بطلبات، ستتشكل قائمة الصحراويين المجنسين في غالبيتها من مواطنين مغاربة مقيمين في الأقاليم الجنوبية، لا من سكان المخيمات. وازدواج الجنسية مألوف لدى ملايين مغاربة العالم، ولا ينتقص من الانتماء الوطني.

4. حدود الحماية الدبلوماسية. القاعدة العرفية المستقرة منذ اتفاقية لاهاي لسنة 1930 تمنع الدولة من ممارسة الحماية الدبلوماسية لأحد رعاياها في مواجهة دولة أخرى يحمل جنسيتها أيضاً. فالجنسية الإسبانية لا تمنح مدريد أي صفة للتدخل في شؤون صحراوي مغربي يعيش في الداخلة.

5. اعتراف إجرائي صامت. يشترط القانون شهادة خلو من السوابق العدلية عن السنوات الخمس الأخيرة، صادرة عن دولة الإقامة. بالنسبة لسكان الأقاليم الجنوبية ستكون الإدارة المغربية جزءاً لا غنى عنه في المسطرة، وهو اعتراف عملي، وإن كان صامتاً، بالسلطة المغربية على الإقليم.

المخاطر المحتملة

1. الفصل الرمزي بين الصحراء وباقي المناطق المسترجعة. يقتصر النص على المولودين في “الصحراء الغربية” بحسب تعبيره. ويستبعد سيدي إفني، التي كانت إقليماً إسبانياً بالصفة الإدارية نفسها بين 1958 و1969، ويستبعد شريط طرفاية المسترجع سنة 1958.

وإذا طالب أبناء إفني بالمساواة، ستدافع مدريد عن الاستبعاد بحجة وحيدة متاحة لها: إفني وطرفاية سُلّمتا بمعاهدات وانتهى ملفهما، أما الصحراء فتصفية الاستعمار فيها “لم تكتمل”. هذه الحجة متماسكة قانونياً، لكنها تمس سردية مغربية راسخة ترى في طرفاية 1958، وإفني 1969، والصحراء 1975، ووادي الذهب 1979 مراحل متصلة من استكمال الوحدة الترابية.

2. تغذية الاجتهاد القضائي الأوروبي. في أكتوبر 2024 أبطلت محكمة العدل الأوروبية اتفاقيتي الصيد والتجارة بحجة غياب موافقة “شعب الصحراء الغربية”. القانون الإسباني لا يمنح أحداً صفة جديدة للتقاضي، لكنه يُدخل إلى النظام القانوني الأوروبي تعريفاً إدارياً لجماعة بشرية محددة، ويمنح وصولات المينورسو قيمة إثباتية رسمية، وهذه مادة قد يُبنى عليها مستقبلاً.

3. ورقة داخلية بوظيفة خارجية. القانون لا يصلح ورقة مساومة مباشرة في ملفات المجال الجوي أو المياه قبالة جزر الكناري أو سبتة ومليلية، فالجنسية حين تُمنح لا تُسترد مقابل تنازل. لكن قيمته تكمن في مرحلة التطبيق: سرعة البت، ودرجة التشدد في الوثائق، والتعليمات الإدارية. وقد تتحول هذه إلى إشارات كلفة كلما اشتد التوتر الثنائي.

4. سؤال الوثائق الصادرة في المخيمات. إذا قبلت الإدارة الإسبانية وثائق صادرة عن هياكل البوليساريو، فستكون قد منحتها اعترافاً إدارياً غير مباشر. ولا يجيب النص حتى الآن عن هذا السؤال، ويُرجح أن يُحسم في اللوائح التنفيذية.

مفارقة التعريف

تظهر في بعض القراءات الإعلامية نزعة إلى اتخاذ القانون الإسباني دليلاً على أن “الصحراويين الحقيقيين” قلة، وأن كل من لا تشمله الجنسية الإسبانية ليس صحراوياً. تبدو هذه القراءة مغرية، لكنها تصطدم بالذاكرة التفاوضية للملف.

ففي معركة تحديد الهوية في التسعينيات، دافع المغرب عن أهلية القبائل المتنازع عليها بحجة أن الصحراوية أوسع من حدود الإحصاء الاستعماري لسنة 1974، وأن المجال القبلي الصحراوي يمتد إلى وادي نون وطرفاية. أما البوليساريو فتمسكت بالحدود الإسبانية معياراً وحيداً.

اعتماد الجنسية الإسبانية معياراً للانتماء يعني إذن استعارة تعريف الخصم ذاته. والمفارقة أن التناقض الحقيقي يقع في الضفة الأخرى: معيار البوليساريو الضيق هو الذي سيُقصي من “شعبها” كل من يعجز في المخيمات عن إثبات صلته بالإقليم. أما المقاربة المغربية فتقوم تاريخياً على رابطة البيعة، وهي رابطة لم تعرف الخرائط الاستعمارية ولم تتقيد بها.

نظرة استشرافية

الجنسية الإسبانية وثيقة سفر وحقوق مدنية، والانتماء إلى المغرب رابطة تاريخية وسياسية لم تنقطع. القانون لن ينقل شبراً من الأرض، ولن يغير واقع التنمية والإدارة في الأقاليم الجنوبية.

لكنه، إن اجتاز مجلس الشيوخ ونجا من التقويم الانتخابي، قد يُحدث أمرين متعارضين. سيكشف الحقيقة الديموغرافية للمخيمات التي أخفتها الجزائر نصف قرن. وسيرسخ في الوقت نفسه في المخيال القانوني الأوروبي تمييزاً بين الصحراء وباقي التراب الوطني.

وبين نوفمبر 2026 وصيف 2027 ستتضح ملامح الصيغة التي سيعيش بها القانون أو يموت. وحتى ذلك الحين، يبدو أن الرباط اختارت ما تجيده الدول الواثقة من موقعها: أن تترك خصومها وشركاءها يستهلكون الوقت، وأن تنتظر ما سيبقى من النص حين تهدأ حسابات الانتخابات الإسبانية.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى