جنوب الأطلسيمختارات

الأوهام في مواجهة الواقع: كيف تتداعى مظلة البوليساريو في أمريكا اللاتينية؟

في الثامن من أغسطس 2026، وقّع وزير خارجية كولومبيا وثيقة باتت تُمثّل، في نظر كثير من المراقبين، رصاصة الرحمة على أحد أعتى أوهام الدبلوماسية الجزائرية في القارة اللاتينية. أعلنت بوغوتا رسمياً تجميد علاقاتها مع ما يُسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، والاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه. ولم يكن القرار مجرد موقف ثنائي معزول؛ بل جاء ليُكمل مشهداً من الانكسار التدريجي يمتد على طول الخريطة اللاتينية من بنما شمالاً حتى هندوراس وبوليفيا، في ما يبدو أنه أكبر موجة انهيار دبلوماسي تعرضت لها البوليساريو منذ عقود.

الدومينو اللاتيني: أرقام لا تكذب

ثمة رقم يستحق الوقوف عنده: في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، كانت ما يزيد على 85 دولة تعترف بالكيان الانفصالي الذي تصطنعه الجزائر في مخيمات تندوف. اليوم، تقلّص هذا الرقم إلى عدد لا يكاد يُعَدّ، وفي أمريكا اللاتينية تحديداً، لا يتجاوز سبع دول ما زالت تحتفظ بشكل ما من أشكال الاعتراف أو العلاقات الرسمية، وحتى هذه السبع تتباين في درجة “الحرارة” الدبلوماسية تبايناً شاسعاً.

الوتيرة المتسارعة للانسحابات تقول كل شيء: في أكتوبر 2024، فككت الإكوادور ارتباطها بالكيان الوهمي. ثم بانامًا. وفي فبراير 2026، أعلنت بوليفيا – التي كانت تُعدّ من أكثر المتحمسين لأطروحة الانفصال في المنطقة – تعليق علاقاتها. وفي أبريل 2026، لحقت بها هندوراس، مستندةً في قرارها إلى ما وصفته بـ”القناعة السيادية المبنية على مبادئ عدم التدخل”. وجاءت كولومبيا في أغسطس لتُغلق هذا الفصل بإعلان مدوٍّ نصّ صراحةً على أن الأمم المتحدة ذاتها لا تعترف بالكيان الانفصالي كدولة عضو، وعلى أن المستقبل هو في الشراكة الاستراتيجية مع الرباط، لا في إضاعة الموارد الدبلوماسية لدعم وهم مُفلس. ستة انسحابات في أقل من عامين – إنه انهيار، لا انحسار.

سقوط كاراكاس: حين يموت المموّل

لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الزلزال الذي هزّ فنزويلا. كانت كاراكاس في عهد نيكولاس مادورو أكثر من مجرد دولة معترِفة بالبوليساريو؛ كانت شريكاً استراتيجياً في المشروع الأيديولوجي الذي يُموّله “النظام العسكري الجزائري” ويروّج له خطابياً من أقصى اليسار اللاتيني. يناير 2026 كان منعطفاً تاريخياً: اعتُقل مادورو بعد انهيار منظومة حكمه، وباتت فنزويلا التي كانت تضخّ أموال النفط في صناديق دعم الكيانات الوهمية، تتساءل اليوم كيف ستُطعم شعبها. بعد ثمانية أشهر من السقوط، تُشير تقارير أغسطس 2026 إلى أن المرحلة الانتقالية الفنزويلية لا تزال هشّة، لكن الأمر المؤكد هو أن الشيك الأيديولوجي الذي كانت كاراكاس تُوقّعه للجزائر قد نفد مِداده إلى الأبد.

لقد وضّح هذا السقوط أمراً كثيراً ما أغفله التحليل السياسي: الدعم الذي أسبغه المحور الجزائري-الفنزويلي على البوليساريو لم يكن نابعاً من اقتناع بحقوق الشعوب، بل كان أداةً في صراع جيوسياسي يستعمل “حق تقرير المصير” ذريعةً لزعزعة استقرار المغرب وتحجيم صعوده. حين ضربت الأزمة المموّلَ، انكشفت هشاشة البنية الداعمة برمّتها.

الخريطة الراهنة: من يبقى وماذا يعني ذلك؟

بعد موجة الانسحابات الأخيرة، تتبقى في الخانة الرسمية أسماء باتت أكثر قيمةً رمزية منها دبلوماسية فاعلة. نيكاراغوا تُمثّل آخر المعاقل الصريحة والمتحالفة أيديولوجياً، وهي دولة في حالة عزلة دولية متعمّقة لا تكاد تجد من يسمعها في المحافل الإقليمية. أما المكسيك وكوبا، فتقعان في منطقة رمادية يمكن وصفها بـ”الاعتراف الميت سريرياً”: النصوص موجودة في الأرشيفات، لكن لا تمثيل دبلوماسياً فاعلاً، ولا دعماً سياسياً حقيقياً في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المكسيك، مع إرثها الدبلوماسي الممتد في دعم حركات التحرر، تعامل اليوم مع الملف ببرود بالغ وتجاهل شبه تام، في حين تنشغل بتحدياتها الداخلية وعلاقتها المعقدة مع واشنطن. وكوبا، التي احتضنت أجيالاً من كوادر البوليساريو وأمدّتها بالتأطير الأيديولوجي، تعيش أزمة وجودية اقتصادية غير مسبوقة؛ فهي في آخر همومها أن تُنفق ما تبقى من رصيدها السياسي على قضية لن تُحقق لها أي مكاسب ملموسة. وأوروغواي، التي تُحافظ على تقليد التضامن مع “الشعوب المناضلة”، باتت في وضع أشبه بمن يُمسك بصور بالأبيض والأسود في عالم الألوان الرقمية.

المغرب: دبلوماسية الأفعال في مواجهة دبلوماسية الخطاب

ما يجري في أمريكا اللاتينية ليس صدفة ولا حتمية تاريخية خالصة؛ إنه ثمرة استراتيجية دبلوماسية ممنهجة اعتمدها المغرب على مدار السنوات الأخيرة. ففي مقابل الخطاب الجزائري المُكرَّر الذي يبيع الشعارات، يقدّم المغرب عروضاً ملموسة: الفوسفات والأسمدة التي تحتاجها الدول الزراعية اللاتينية، البنية التحتية للموانئ، الاستثمارات المشتركة، والاتفاقيات التجارية. التصريح الكولومبي يُلخّص المعادلة بوضوح: “تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المغرب في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي والنقل البحري” – لغة المصالح، لغة القرن الواحد والعشرين.

وهنا تكمن الفجوة الاستراتيجية الحقيقية بين الرباط والجزائر في هذه القارة: المغرب يبني شراكات وينجز مشاريع، بينما الجزائر تُنفق عائداتها الهيدروكربونية على صناعة الأوهام وتصدير أيديولوجيا باتت العالم يكتشف خواءها. المشروع الاستراتيجي المغربي في القارة الأمريكية الجنوبية لم يعد مجرد دفاع عن ملف الصحراء؛ بل أصبح إطاراً لبناء “حلف أطلسي جنوبي” يربط الضفتين الأفريقية والأمريكية، وتحتل فيه البرازيل مكانة الشريك الاستراتيجي المحوري.

قراءة في المستقبل: إلى أين؟

المؤشرات المتوفرة تقود نحو سيناريو شبه محسوم: الجاذبية الدبلوماسية ستستمر في العمل لصالح الرباط. ذلك أن الطبقة السياسية اللاتينية الصاعدة لا تحمل أي ارتباط عاطفي أو أيديولوجي بصراعات الحرب الباردة ومعاركها بالوكالة. الجيل الجديد من القادة ينظر إلى خريطة العالم بعيون البراغماتية الاقتصادية، ولا يرى في دعم كيان وهمي لا يعترف به مجلس الأمن سوى خسارة مجانية.

يُضاف إلى ذلك أن كوبا تقترب من لحظة قرار مصيري يفرضها الواقع لا الاختيار: إما الانفتاح الاقتصادي على القوى الإقليمية الوازنة، وفي مقدمتها المغرب، أو الاستمرار في العزلة. وفنزويلا في مرحلتها الانتقالية لن تكون في وارد إهدار أي رصيد دبلوماسي في خدمة أجندة الجزائر التي لا تعود عليها بشيء. أما نيكاراغوا، فهي “معقل الخطاب” الأخير، وقيمتها الرمزية تتآكل يوماً بعد يوم ما لم يترافق الولاء الأيديولوجي مع قدرة فعلية على التأثير في المحافل الدولية.

خاتمة: الوهم الذي يُسدَل عليه الستار

ما تشهده أمريكا اللاتينية اليوم هو تصفية تدريجية لإرث مرحلة أيديولوجية أفل نجمها. لقد وظّف النظام العسكري الجزائري عقوداً من الجهد الدبلوماسي وعائداتٍ هائلة من ثروات شعبه لبناء مظلة لاتينية حول “جمهورية تندوف” الوهمية. واليوم، بالتتابع الدومينوي الذي ينتقل من كيتو إلى سوكري إلى تيغوسيغالبا إلى بوغوتا، يتبيّن أن المظلة لم تكن يوماً سوى ورق شفاف، يُقاوم الخطاب لكنه لا يُقاوم المصالح.

الصحراء المغربية كانت دائماً جزءاً من الوطن، برابطة بيعة تاريخية لا يُبطلها لاهثٌ أيديولوجي في كاراكاس ولا جنرال في الجزائر. والتاريخ الدبلوماسي يكتب اليوم جملته الأخيرة في هذا الفصل: حين يُبنى الوهم على الخطاب، يكفي أن يُطرح السؤال الأبسط – “ما الذي نكسبه؟” – حتى يبدأ الانهيار. وهذا بالضبط ما حدث، ويحدث، في أمريكا اللاتينية.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى