مرصد الجوارمختارات

طريق السيادة إلى لا مكان: الجزائر والوهم الأفريقي الكبير

في فبراير 2024، وقف الرئيس عبد المجيد تبون أمام الكاميرات جنباً إلى جنب مع نظيره الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، ليعطيا معاً الإشارة الرسمية لانطلاق أشغال طريق تندوف-الزويرات. كانت الدعاية الرسمية حاضرة بكامل عتادها: خطاب عن شريان تجاري سيغير خريطة غرب أفريقيا، ووعود بمحطات وقود ومراكز خدمات ومناطق تجارة حرة ودار للصحفيين الموريتانيين فوق ذلك. وكان الطريق، البالغ طوله 840 كيلومتراً عبر أقسى المناطق الصحراوية، عنواناً معلناً لصورة الجزائر التي يروّج لها النظام العسكري الجزائري: قوة أفريقية ضاربة، ودولة توسع بيادق نفوذها الاقتصادي نحو قلب القارة. بعد نحو عام ونصف من تلك اللحظة، تكشف الأرقام قصة مختلفة كلياً، قصة أكثر إثارة للسؤال مما تصورت عنه الدعاية.

الطريق بالأرقام الحقيقية

المشروع مقسم تقنياً على شطرين: الشطر الجزائري “320 كيلومتراً” والشطر الموريتاني “نحو 520 كيلومتراً”. التزمت الجزائر بتمويل الشطرين معاً وإنجازهما عبر شركات أشغال عمومية جزائرية، في إطار ما وُصف بالاستثمار الاستراتيجي في موريتانيا. غير أن حسابات الورش الميدانية جاءت على النقيض من حسابات المنصة الرسمية. في نهاية فبراير 2025، أي بعد اثني عشر شهراً كاملاً من انطلاق الأعمال، لم تتجاوز الكيلومترات المُعبَّدة فعلياً في الشطر الجزائري 64 كيلومتراً من أصل 320، أي ما يعادل 20% من هذا الشطر وحده. وبحلول أبريل 2026، ارتفعت النسبة إلى 45.91% من المقطع الأول، بمعنى أن نحو 147 كيلومتراً أُنجزت في غضون عامين كاملين. أما الشطر الموريتاني، الممتد على أكثر من نصف مسار الطريق، فلا يتجاوز ما أُنجز فيه مرحلة المسح الطبوغرافي وشق بعض المسارات الترابية الأولية. الموعد الرسمي لتسليم المشروع كان يوليو 2026، وقد مضى يوليو دون حفل تسليم ودون بيان رسمي يفسر التأخر.

لا يُقلَّل من التحديات الجغرافية الحقيقية لهذا المشروع: حمادة تندوف من أكثر المناطق قسوة في الصحراء الكبرى، والرمال المتحركة والبعد اللوجستي عن القواعد التموينية عوامل موضوعية لا يمكن تجاهلها. لكن التحدي الجغرافي يستوجب الواقعية في صياغة الوعود أو الصمت عن الأجل. وقد فعل النظام الجزائري العكس: ضخّ الوعود وادّعى الأجل ثم تجاهل كليهما.

خمسمائة مليون والحساب الذي لا يستقيم

في خضم هذا التعثر الميداني، أعلن رئيس مجلس الأعمال الجزائري-الموريتاني أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 500 مليون دولار. الأرقام الجمركية الفعلية المتاحة تقول شيئاً مغايراً تماماً. نهاية عام 2024، بلغت الصادرات الجزائرية لموريتانيا نحو 81 مليون دولار، يشكّل الأسمنت وحده منها 45 مليوناً. وبلغت الصادرات الموريتانية في الاتجاه المعاكس نحو 134 مليون دولار، ليصبح مجموع التبادل الفعلي المرصود 215 مليون دولار. حتى لو سلّمنا بمعدل النمو الذي أعلنته الجهات الجزائرية نفسها، والبالغ 48%، فإن الحساب البسيط يعطينا رقماً لا يتجاوز 318 مليون دولار. فجوة الـ 182 مليون بين الرقم المُعلَن والرقم المحسوب ليست هامشاً إحصائياً، بل هي الفضاء الذي تعيش فيه الدعاية الجزائرية: خلط منهجي بين اتفاقيات موقعة على الورق وعقود طويلة الأجل ومذكرات تفاهم لم تنتج بعد حركة سلع فعلية، ثم تقديم المجموع كأنه رقم جمارك محقق.

الرقم الذي يُفصح عن كل شيء

غير أن ما يكشف البنية العميقة لهذا الخطاب ليس الفجوة في أرقام الميزان التجاري مع موريتانيا وحدها، بل الصورة الأشمل التي توفرها إحصاءات موقع “المرصد الاقتصادي لتعقيد الاقتصادات” بنهاية عام 2024. بلغت مجمل الصادرات الجزائرية 48.2 مليار دولار، صدّرت منها لكامل القارة الأفريقية 2.46 مليار دولار، أي 4.2% من مجمل صادراتها. لكن حين نستثني دول شمال أفريقيا، أي الجوار المباشر الذي تربطه بالجزائر مصالح تقليدية وحدود مشتركة، لا يبقى من صادرات الجزائر لأفريقيا جنوب الصحراء سوى 324 مليون دولار، ما يمثل 0.67% من مجمل صادراتها السنوية. على صعيد الواردات، بلغت الواردات الجزائرية 43.6 مليار دولار، وبعد استثناء الجوار الشمالي الأفريقي، لا تتجاوز قيمة وارداتها من أفريقيا جنوب الصحراء 217 مليون دولار، أي 0.5% من مجمل وارداتها.

هذه الأرقام تحمل في طياتها مفارقة نادراً ما تُقال بصراحة: الجزائر أنفقت نحو 600 مليون يورو على طريق تندوف-الزويرات لفتح بوابتها نحو أسواق غرب أفريقيا، في حين أن قيمة صادراتها لكامل أفريقيا جنوب الصحراء، بكل دولها الأربع والأربعين، لا تتجاوز 324 مليون دولار سنوياً. بعبارة أوضح، كلفة الطريق تفوق بمقدار الضعف القيمة السنوية لمجمل ما تصدره الجزائر للقارة التي يُفترض أن هذا الطريق سيفتحها. لم يبنِ أحد يوماً جسراً تفوق تكلفته مجمل حجم العبور السنوي المتوقع منه، إلا إذا كان هدف البناء شيئاً آخر غير التجارة.

جغرافيا الخطاب ومنطق الجيوسياسة

هنا يكمن المفتاح الحقيقي لفهم مشروع تندوف-الزويرات: هذا الطريق لم يولد من رحم دراسة جدوى اقتصادية، بل ولد من رحم حسابات جيوسياسية بحتة. الهدف الأول هو بناء قناة نفوذ مباشرة نحو الساحل وغرب أفريقيا تتجاوز المحاور البرية القائمة على الضفة الأخرى من المغرب العربي، والهدف الثاني هو تقديم الجزائر على المسرح الأفريقي بصورة الدولة المانحة والشريك البنّاء، وذلك في سياق تصاعد التنافس الإقليمي على قلوب دول الساحل وغرب أفريقيا. الاقتصاد في هذه المعادلة ليس الدافع، بل الديكور.

ولهذا تحديداً يُفهم الإسراف في الوعود المصاحبة للمشروع، من محطات وقود ومناطق تجارة حرة ودار للصحفيين الموريتانيين، وهي وعود لم يتحقق منها شيء ملموس حتى اليوم. الوعود الزائدة ليست زلات لسان، بل أدوات خطاب مقصودة تُسوّق صورة النظام الجزائري داخلياً وخارجياً كقوة منتجة وفاعلة ومتوسعة النفوذ. وحين لا يُسأل أحد عن حصاد تلك الوعود، تتحول الدعاية إلى حقيقة في الأذهان بمجرد التكرار.

العيب الهيكلي في الخطاب الأفريقي الجزائري

الجزائر تتحدث منذ عقود عن دورها القيادي في أفريقيا، استناداً إلى ثقلها التاريخي في حركات التحرر ومساهماتها في الوساطة بين حركات النزاع في الساحل. لكن الريادة السياسية شيء، والحضور الاقتصادي الفعلي شيء آخر. الاقتصاد الجزائري اقتصاد ريعي مرتكز على صادرات الهيدروكربونات، التي تمثل وحدها الجزء الأكبر من صادراته البالغة 48.2 مليار دولار. قاعدته الصناعية التحويلية محدودة، وقدرته التنافسية خارج إطار المحروقات والأسمنت والحديد هزيلة. وهذا هو السبب الحقيقي لأن يظل حضوره التجاري في أفريقيا جنوب الصحراء عند حدود 324 مليون دولار في مجمل صادراته، رقم لا يعكس قوة اقتصادية ضاربة بأي معيار، بل يعكس اقتصاداً لم يستطع حتى اليوم أن يترجم خطابه الجيوسياسي إلى علاقات تجارية وازنة مع القارة التي يدّعي قيادتها.

في نهاية المطاف، تندوف-الزويرات ليست فقط طريقاً متأخراً في الإنجاز، بل صورة مصغرة لمعضلة أعمق: نظام يبني خطابه الخارجي على صورة قوة أفريقية لا تجد لها مقابلاً في أرقام التجارة ولا في خرائط سلاسل القيمة. حين يكلّف طريق أكثر من قيمة كل ما تصدّره الدولة للقارة في عام كامل، فإن المشكلة ليست في الطريق، بل في الاقتصاد الذي ينتظر خلفه أن يعبره.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى