مرصد الجوارمختارات

ليبيا 2026: نموذج”الاستقرار الوظيفي” في دولة تشبه “الممكن” بعد تأخر “الحلم” المؤجل!

لطالما أسقط معظم المحللين في فخ انتظار “اليوم الموعود” في ليبيا؛ ذلك اليوم الذي تُجرى فيه انتخابات شاملة تُنهي الانقسام بضربة حظ ديمقراطية، وتُعيد بناء الدولة من صناديق الاقتراع. غير أن ما رسّخته أحداث أبريل 2026 يُسقط هذا الوهم بصورة نهائية، ويُقرّر ما بات يُسميه المشتغلون بالواقعية السياسية “الاستقرار الوظيفي”؛ نمط من الحوكمة لا يقوم على الشرعية الانتخابية، بل على التوافق الصامت بين مراكز النفوذ حول قاعدة بسيطة: الموارد تُوزَّع، والمؤسسات تُدار، والجميع يربح من الاستمرار.

المفارقة التاريخية أن ليبيا، التي أنفقت خمسة عشر عاماً تُدمّر مؤسساتها بحروب الوكالة والانقسام المالي، باتت تُقدّم اليوم درساً غير مقصود في “السياسة التشغيلية”، وهو الدرس الذي يتجاهله كثير من الأنظمة التي تُفاخر بانتخاباتها الدورية.

حين تُصبح الميزانية سلاح سلام

الحدث الأهم استراتيجياً في المشهد الليبي الراهن ليس اتفاقاً سياسياً ولا مبادرة دبلوماسية، بل هو “الاتفاق المالي الموحد” بين طرابلس وبنغازي. ولمن يريد أن يفهم ثقل هذا الحدث، يكفيه استحضار ما عاشته ليبيا من “انفصام مالي” طوال سنوات: بنكان مركزيان متنافسان، وميزانيتان متوازيتان تُسرفان دون رقابة، وإنفاق عام بلغ سقف المئة مليار دينار بينما كانت قيمة العملة الوطنية تتآكل بصمت.

لا يمكن قراءة هذا الاتفاق بوصفه “انتصاراً للوحدة الوطنية”، فذلك ضرب من المديح الذي لا تُجيزه الواقعية. هو في جوهره “هدنة مالية” فرضتها الضرورة لا الفضيلة: أدرك طرفا النزاع، بعد مراكمة طويلة من الخسائر المتبادلة، أن استمرار الصراع على تحصيل عائدات النفط وصرفها في غير وجهها بات يُهدد مصالحهما معاً قبل أن يُهدد الدولة. وتوحيد الميزانية في هذا السياق يعني تجميد “أداة التمويل الحربي” تقنياً؛ إذ لا يمكن اليوم تحريك موارد الدولة لصالح مغامرة عسكرية دون توقيع مزدوج ودون كشف النية أمام الشركاء الدوليين.

شيفرون في البحر العميق: تأمين استراتيجي بالوكالة

بالتزامن مع هذا التحول المالي، جاء توقيع المؤسسة الوطنية للنفط مع “شيفرون” الأمريكية لتطوير كتل نفطية في المياه العميقة ليُضيف بُعداً جديداً لم يكن حاضراً من قبل: الضمان الأمريكي الصامت لاستقرار ليبيا الطاقي.

القراءة الاستراتيجية تتجاوز الأرقام التجارية لترى في هذا الاتفاق قراراً سياسياً في واشنطن بأن “التدفق النفطي الليبي” أصبح أولوية محمية. والمنطق ينبثق من سياق أوسع: أوروبا تُقلّص اعتمادها على الغاز الروسي منذ عام 2022، وتبحث عن بدائل موثوقة على ضفاف المتوسط الجنوبية. ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا ومنفذاً مباشراً على المتوسط، تتحول في هذه المعادلة من “دولة تحت الوصاية” إلى “شريك طاقي لا يُستغنى عنه”. وحين تدخل “شيفرون” إلى منطقة ما، تصبح تلك المنطقة بحكم الأمر الواقع مُحصّنة من الاضطرابات؛ ليس بموجب معاهدة، بل بموجب المصلحة المباشرة للشركة وحكومتها.

الثلاثي الوظيفي: ولادة تكتل من رحم الضرورة

ما تحقق في طرابلس من قمة ثلاثية جمعت الليبيين والتونسيين والجزائريين لافت في توقيته ودلالاته. الأبرز أنه لا يُمثّل “إحياءً لروح الاتحاد المغاربي” الذي يعاني من جمود هيكلي مزمن منذ تعليق نشاطه عام 1994 بسبب إغلاق الجزائر لحدودها البرية مع المغرب، بل يُعلن انبثاق “تكتل وظيفي” مصغّر يتمحور حول الأمن والاقتصاد على حساب الإعلانات السياسية الكبرى.

ليبيا في هذا الثلاثي لم تعد “المريض” الذي يتقاسم الجيران مسؤولية إسعافه، بل أصبحت “المحرك المالي” الذي يضخ في المنظومة الإقليمية طاقة حقيقية. تونس تحتاج إلى متنفس لاقتصادها المثقل بعبء الديون عبر الأسواق الليبية والتحويلات المالية لمئات الآلاف من مواطنيها العاملين فيها. والجزائر تبحث عن عمق أمني يضبط حدودها الجنوبية الشرقية المثقوبة بتهريب السلاح والمهاجرين. هذا التقارب لا يخدم الوحدة العاطفية بل يخدم الحسابات الباردة لكل طرف.

عودة الطيران: الاعتراف التشغيلي بالاستقرار

متغير أخر شهده هذا الشهر، ويتعلق باستئناف الرحلات الجوية بين عدد من الخطوط الجوية وليبيا بعد توقف امتد قرابة عقد. فبعد إعلان عودة الخطوط المغربية والأردنية، وقرب فعل القطرية والتركية الامر نفسه، أعلنت الخطوط الجزائرية نيتها اتخاذ خطوة مماثلة. هذا “الربط الجوي” أبعد دلالةً من أي بيان دبلوماسي؛ إذ يُمثّل الاعتراف التشغيلي باستقرار الدولة الطرف الآخر، أو على الأقل تقدير السلطات أن هذا الاستقرار بلغ حداً مقبولاً لإرسال طائراتها وركابها.

لكن الأهم هو ما تفتحه عودة الطيران من آفاق: إعادة ليبيا إلى دورها التاريخي كمركز ترانزيت يربط القارة الأفريقية بأوروبا عبر المتوسط. هذا الدور كان ركيزة اقتصادية أساسية قبل 2011، وإحياؤه اليوم سيُشكّل جاذباً حقيقياً للاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية، لا سيما أن ليبيا تجمع ثلاث ميزات نادرة: موارد نفطية ضخمة، وموقع جغرافي استراتيجي، وسوق داخلية محرومة من الإشباع طوال عقد ونصف.

حرب المياه القادمة: من يُدير الشُّح يملك المستقبل

من أكثر الإشارات الاستراتيجية دلالةً في المشهد الليبي الراهن ذلك التركيز المستحدث على “الأمن المائي” في الاتفاقات الثنائية مع تونس، ولا سيما مشاريع الربط المائي المدعومة دولياً لتحلية المياه وتطوير الزراعة في المناطق الجنوبية. هذا التحول يعكس وعياً استراتيجياً حقيقياً بأن التهديد الوجودي القادم في الفضاء الأفريقي الشمالي ليس الصراعات المسلحة، بل تآكل الموارد الطبيعية في ظل تحولات مناخية متسارعة.

لأول مرة منذ 2011، تُفكّر السلطات الليبية بعقلية “ما بعد الأزمة” حين تُضمّن ميزانيتها الموحدة بنوداً للبنية التحتية المائية في الجنوب. وليبيا تمتلك في هذا الإطار ورقة نادرة: “النهر الصناعي العظيم”، أكبر مشروع ري في العالم، الذي أُهمل في سنوات الفوضى ويحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تشغيله. إعادة إحياء هذا المشروع ستُشكّل محوراً للتعاون الإقليمي المتوسطي في سياق يتصاعد فيه الطلب على تقنيات إدارة الشُّح المائي.

الانتقال من زمن الوعود إلى زمن الحسابات

ما يجري في ليبيا خلال هذه المرحلة ليس “نهضة ديمقراطية”، ولن يصحّ ادعاء ذلك. لكنه بالتأكيد ليس نموذج “الدولة الفاشلة” بالمعنى الكلاسيكي للفشل. الأدق وصفاً هو أن ليبيا تمر بمرحلة “الاستقرار التوزيعي”؛ حيث اكتشفت النخب الحاكمة، في الشرق والغرب معاً، أن تقاسم الثروة أضمن للبقاء السياسي من تقاسم السلطة، وأن ربط المصالح مع قوى خارجية كبرى يوفر حماية لا تُقدّمها الاتفاقات السياسية الهشة.

الاتفاق المالي الموحد، وصفقة شيفرون، والثلاثي الوظيفي، وعودة الطيران، والاستثمار في المياه، كلها تندرج في منطق واحد: بناء شبكة مصالح متشابكة تجعل تكلفة الانهيار أعلى بكثير من تكلفة الاستمرار. وهذا، في نهاية المطاف، هو الوصف الأدق للاستقرار في دولة لم تُحسم فيها مسألة الشرعية بعد.

ليبيا اليوم لا تُشبه الحلم. لكنها بدأت تُشبه الممكن.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى