
“السيادة المالية” في شمال إفريقيا: حين تتحول الشعارات إلى أدوات للبقاء السياسي
ثمة شيء مشترك يجمع الرئيس قيس سعيد في تونس و”جنرالات” قصر المرادية في الجزائر: كلاهما يرفع بصوت عالٍ راية “السيادة المالية” ورفض إملاءات صندوق النقد الدولي، وكلاهما يفعل ذلك بينما يضخ بنكه المركزي أموالاً “من الهواء” لتغطية عجز هيكلي لا يجرؤ على معالجته. الفارق أن الجزائر تملك نفطاً يستر سلوكها، بينما لا تملك تونس سوى الخطابة.
أسطورة الجزائر “بلا ديون”: ما تخفيه الأرقام الحقيقية
حين يتحدث مسؤولو الجزائر عن “صفر ديون خارجية” بوصفه إنجازاً قومياً، فإنهم يمارسون فناً راسخاً في تشويه المفاهيم الاقتصادية. فصحيح أن الديون الخارجية الجزائرية لا تتجاوز 1.5 مليار دولار، وهو رقم ضئيل قياساً بحجم الاقتصاد، غير أن الرواية تسقط تماماً حين تُستكمل البيانات. وفقاً لبيانات CEIC المستقاة من وزارة المالية الجزائرية، بلغت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 47.8 بالمئة في نهاية 2024، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تغطي الدين الداخلي حصراً. وتتوقع أرقام صندوق النقد الدولي أن تبلغ نسبة إجمالي الدين الحكومي 50.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025.
لكن الأخطر من الأرقام هو المنهجية. فحين واجهت الجزائر أزمتها المالية منذ 2014 جراء انهيار أسعار النفط، لم تلجأ إلى الاستدانة الخارجية ولم تُجرِ إصلاحاً هيكلياً جدياً. اختارت بدلاً من ذلك ما وصفه رئيس حكومتها آنذاك أحمد أويحيى بأنه “الحل الوحيد لتفادي الإفلاس”: طباعة النقود عبر آلية “التمويل غير التقليدي” التي عُدِّلت قوانين البنك المركزي خصيصاً لإجازتها، وذلك لأن المسؤولين “يرفضون اللجوء إلى الاستدانة الخارجية خشية أن يضعوا البلاد رهينة لصندوق النقد”.
في غضون عام واحد، طبع بنك الجزائر بهذه الآلية ما يزيد على 4000 مليار دينار جزائري، أي ما يعادل نحو 34 مليار دولار، أو ما يناهز 19 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي المدة ذاتها، ارتفع الدين الداخلي من 20.6 بالمئة من الناتج إلى ما يقارب 40 بالمئة. والحصيلة إذن واضحة: الجزائر لا تملك ديوناً خارجية لأنها طبعت النقود عوضاً عنها، في مقايضة يدفع ثمنها المواطن الجزائري يومياً على شكل تضخم وتآكل في قيمة العملة.
المفارقة التي تكشفها بيانات CEIC صارخة بما يكفي: وصل الدين الحكومي الجزائري في أرقامه المطلقة إلى 127 مليار دولار في نهاية 2024. في المقابل، لا يتجاوز إجمالي الدين العام المغربي 80 مليار دولار تقريباً، رغم أن المغرب يُقرّ صراحةً بمديونيته ويدير علاقة ائتمانية طبيعية مع مؤسسات التمويل الدولية. “صفر ديون خارجية” إذن ليست براءة اقتصادية، بل مجرد اختيار لصنف مختلف من الديون، أشد تكلفة اجتماعياً وأقل شفافية.
قيس سعيد: حين تصبح “السيادة” درعاً للبقاء في الحكم
في تونس، يحمل شعار “التعويل على الذات” طابعاً مختلفاً، إذ يرتبط ارتباطاً عضوياً بحسابات سياسية داخلية أكثر مما يعبّر عن رؤية اقتصادية ناضجة. فبإبقائه على دعم المواد الأساسية دون إصلاح، سعى النظام التونسي إلى تحييد غضب الفقراء والطبقة الوسطى المرتبطة بالقطاع العام، ولا سيما أعضاء الاتحاد العام التونسي للشغل البالغ عددهم نحو 645 ألف منخرط أي 7.4 بالمئة من القوى العاملة.
المعادلة السياسية واضحة تماماً: سعيد يعلم أن شروط صندوق النقد تستلزم رفع الدعم وكبح فاتورة الأجور العامة وخصخصة مؤسسات تمتص الموارد. وهو يعلم كذلك أن تنفيذ هذه الإجراءات يعني احتمال تكرار سيناريو 2011. فولايته الثانية تُنبئ بتعميق نمط حكمه الاستبدادي وإرجاء الإصلاحات الاقتصادية المُلحّة. بعبارة أخرى، رفض صندوق النقد ليس قراراً اقتصادياً بالدرجة الأولى، بل هو قرار بقاء سياسي يدفع ثمنه الاقتصاد التونسي في كل يوم يمرّ.
في يناير 2026، مدّد سعيد حال الطوارئ للمرة العاشرة على التوالي، فيما سجّل مؤشر حرية التعبير والتجمع في مشروع التحول الديمقراطي BTI 2026 تراجعاً إلى 4 من 10، منخفضاً من 5 في الطبعة السابقة. والرابط بين الاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي ليس عَرَضياً: فالحكومة التي تسجن القضاة والصحفيين هي ذاتها التي أقالت مدير المعهد الوطني للإحصاء حين أصدر أرقاماً دقيقة لم تُعجب السلطة. وحين تبدأ بيانات الدولة بالخضوع للرقابة السياسية، تصبح كل الأرقام الرسمية محل تساؤل.
يحتفظ سعيد بوهم السيطرة الكاملة، لكن السخط العمالي يتصاعد وغضب المواطنين يتنامى، وهو يعتمد بصورة متزايدة على دائرة ضيقة هشة من مؤسسات الأمن الداخلي. وقد أفصح واشنطن إنستيتيوت في تقدير نشره مؤخراً عن المشهد الحقيقي: غياب أي رؤية اقتصادية متماسكة، وهجرة متسارعة للشركات والكفاءات، واختيار التونسيين بصمت الرحيلَ عوضاً عن الاحتجاج.
التكلفة الحقيقية للإصلاح المُرجَأ
ما تشترك فيه المقاربتان الجزائرية والتونسية يتجاوز أوجه الشبه الخطابية؛ فكلتاهما تؤجلان إصلاحاً هيكلياً لا مفرّ منه. الديون التونسية الداخلية ترتفع بأسعار فائدة مرهقة، وستُضيِّق مساحة الائتمان أمام القطاع الخاص لسنوات. والدين الجزائري المُموَّل بالطباعة النقدية يسبب تآكل القدرة الشرائية بصمت مع كل دورة ميزانية.
وفقاً لتقديرات مؤسسة فيتش، تُجهِد المؤسسات العمومية التونسية الخزينةَ بديون تُعادل قرابة 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الجزائر، تُصنّف المؤسسة ذاتها منظومة المؤسسات العمومية بوصفها أثقل الأعباء على الموازنة، يُضاف إليها دعم طاقة مفرط يبتلع حصة ضخمة من العائدات النفطية التي كان يُفترض أن تُولّد التنوع الاقتصادي.
المقارنة مع المغرب في هذا السياق كاشفة، لا بوصفها مأثرة دعائية، بل بوصفها دليلاً على أن منهجية إدارة المديونية لها مآلات مختلفة. المغرب الذي يُقرّ صراحةً بمديونيته ويُحافظ على علاقة طبيعية مع مؤسسات التمويل الدولية ويُطبّق إصلاحات تدريجية بدلاً من تأجيلها، يحصل في المقابل على تصنيفات ائتمانية تمكّنه من الاقتراض بتكلفة أدنى، وعلى ثقة المستثمرين التي تُحرّك معدلات نمو أعلى. السيادة الاقتصادية الحقيقية لا تقاس برفض المؤسسات الدولية، بل تُبنى بتنويع مصادر التمويل وتحرير الطاقة الإنتاجية للقطاع الخاص وإصلاح المنظومة الجبائية.
خاتمة: متى ينتهي منطق الشعارات؟
لا يمكن فصل القرارات الاقتصادية في تونس والجزائر عن طبيعة النظامين السياسيين. الديكتاتورية الناعمة التي يبنيها سعيد والديكتاتورية العسكرية الراسخة في الجزائر متفقتان على قاسم مشترك: الخوف من الإصلاح لأنه يعني الخوف من الشارع. ومن يخشى الشارع لا يُصلح الاقتصاد، بل يُخدّره بالدعم، ويُموّله بالطباعة، ويُسكّت من يصف الداء بالاسم الصحيح.
الدين ليس الخطر الأكبر الذي يواجه تونس والجزائر. الخطر الأكبر هو الاستمرار في إدارة الأزمة بدلاً من معالجتها، وتقديم الاستقرار المُزوَّر على حساب الاستدامة الحقيقية. والتاريخ الاقتصادي لا يُكافئ الأنظمة التي تختار تأجيل الفاتورة؛ لأن الفاتورة المؤجلة تعود دائماً بفوائد مركبة لا تتحملها الميزانيات، ولا تتسع لها الاحتمالات.




