
ستون عاماً من الوعود الوهمية: الاقتصاد الجزائري “العاجز” في مواجهة لحظة الحقيقة
مرض مزمن يستعصي على العلاج
ثمة أمراض سياسية تشبه بعض الأمراض الجسدية في طريقة تكيّفها مع المضيف: لا تقتله فتفقد موطنها، ولا تتركه يُشفى فتُلغي وجودها. الاقتصاد الجزائري منذ الاستقلال عام 1962 يُجسّد هذه المعادلة بدقة مذهلة. بنهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، كانت 97% من صادرات الجزائر لا تزال مرتبطة بالمحروقات، رغم عقود من التصريحات الرسمية عن التنويع، ورغم أن الجزائر في أواخر الستينيات كانت تُصدّر ما يزيد على 40% من صادراتها من قطاعات غير نفطية، رقم لن تعود إليه أبداً. الاتجاه عكسي تاريخياً: كلما تراكمت عائدات النفط، تراجعت الحاجة لبناء شيء آخر، وكلما تراجعت هذه الحاجة، تعمّق الاعتماد، وكلما تعمّق الاعتماد، أصبح أي إصلاح حقيقي تهديداً وجودياً لبنية السلطة لا حلاً اقتصادياً.
قدّمت الجزائر محاولتين رسميتين للتنويع: الأولى في أواخر الستينيات بالرهان على “الصناعة المصنّعة” التي افترضت أن التصنيع الثقيل سيجرّ خلفه بقية القطاعات؛ والثانية في إطار برامج الاستثمار العام بين 2001 و2014. كلتاهما فشلت لسبب واحد: استُخدم فيهما المال العام لتوسيع شبكات الريع والتوظيف الحكومي، لا لبناء قاعدة إنتاجية مستقلة قادرة على المنافسة. الاقتصاد الجزائري يُعدّ من أكثر اقتصادات أفريقيا محدودية في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، وهذا ليس عقاباً خارجياً بل نتيجة حتمية لبيئة أعمال يهيمن عليها الغموض، وتراخيص توزعها الدولة وفق منطق المحسوبية لا الجدوى الاقتصادية.
هذا هو الإرث الذي تسلّمه تبون وشنقريحة في نهاية 2019: ليس أزمة طارئة، بل نموذجاً بنيوياً راسخاً عمره ستة عقود. والسؤال الذي كان يتعيّن طرحه لم يكن “هل ستُنجز الجزائر الجديدة التنويع؟” بل “هل يمكن لنظام يقوم على الريع أن يُصلح نفسه دون أن يُفكّك نفسه؟”
2019-2025: الإصلاح بوصفه أداة بقاء
جاء الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة على وقع الحراك الشعبي الذي زعزع شرعية الجيل البوتفليقي كله. كانت الرسالة الضمنية للشارع الجزائري واضحة: النموذج القائم على الاستيراد المفتوح وتوزيع الريع وصل إلى حائطه. استجاب النظام الجديد بتبني خطاب “ترشيد الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي”، مبتعداً عن نموذج بوتفليقة في الاستيراد غير المنضبط، محتفظاً في الآن ذاته بالطابع الحمائي والتدخلي للدولة في الاقتصاد. باختصار: تغيير الخطاب مع الإبقاء على البنية.
ترجمة هذا الخطاب في السياسة التجارية كانت فورية وحادة. منذ 2021 شرع النظام في تطبيق منظومة تراخيص الاستيراد بأثر يعادل فعلياً حظراً على فئات واسعة من البضائع، وفرض اشتراط المكوّن المحلي في صناعة السيارات، وقيّد ملكية الأجانب لشركات الاستيراد. هذه الإجراءات أُطلق عليها اسم “صنع في الجزائر”، وقُدِّمت إعلامياً على أنها خطوة نحو الاكتفاء الذاتي. لكن الاتحاد الأوروبي قرأها قراءةً مختلفة: أطلق في يونيو 2024 إجراءات التسوية القانونية للمرة الثانية خلال أربع سنوات بسبب هذه القيود، بعد أن باءت المشاورات الدبلوماسية بالفشل، وهو ما تحوّل في يوليو 2025 إلى تحكيم دولي رسمي. صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الجزائر تراجعت في هذه الأثناء من 22.3 مليار يورو عام 2015 إلى 14.9 مليار عام 2023، انخفاض بالثلث في ثماني سنوات يعكس تآكل ثقة الشريك التجاري الأكبر بدلاً من تقوّيه.
حساب الحقبة: وعود كبيرة وأرقام أصغر
أبرز ما يستشهد به النظام إنجازاً في عهد تبون هو أرقام الصادرات غير النفطية: 7 مليارات دولار عام 2024، مع هدف طموح يصل إلى 30 ملياراً بحلول 2030. الرقم الأول أقرب إلى الحقيقة (يعتقد كثير من الخبراء الدوليين أن الرقم يراوح حول 5 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث الماضية) والثاني خيالي، لكن حتى الأول يحتاج سياقه الكامل: هذه الصادرات غير النفطية لا تمثل سوى 4% من إجمالي صادرات الجزائر، فيما تهيمن المحروقات على الـ96% الباقية. ومحتوى هذه الصادرات “المتنوعة” ليس إلكترونيات أو أدوية أو برمجيات؛ إنه أسمدة وحديد وأسمنت ومواد خام، حلقة أولى في سلسلة القيمة لا قمّتها.
الاستثمار الأجنبي المباشر لا يتجاوز 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي كمتوسط للسنوات الخمس الأخيرة وفق صندوق النقد الدولي، رغم قانون الاستثمار الجديد لعام 2022 ورغم إلغاء قاعدة 51/49 في القطاعات غير الاستراتيجية. نسبة القروض غير العاملة في الجهاز المصرفي تتجاوز 20% من إجمالي القروض، وهذا الرقم وحده يُفسّر لماذا يُفضّل المستثمر الأجنبي وجهات أخرى: مصرف معطوب يعني أن رأس المال لا يتدفق نحو الفرص، بل يبقى محاصراً في دورة الدين الحكومي والمؤسسات العامة.
الصورة الأوضح تأتي من قطاع المحروقات نفسه الذي يُفترض أن يموّل كل شيء: إنتاج النفط تراجع بنسبة 10% منذ 2022 بسبب شيخوخة الحقول، وصادرات الغاز الطبيعي سجّلت انخفاضاً بنسبة 17% بين 2021 وعام 2023 رغم الزيادة الطارئة التي أعقبت الحرب الأوكرانية. النظام يضخّ استثماراته بكثافة في المحروقات لإبطاء الانحدار لا لعكسه، وذلك في وقت يُشدّد فيه الاتحاد الأوروبي توجّهه نحو إلغاء الكربون بحلول 2050. الرهان على الغاز هو إنقاذ مؤقت لسوق يتجه بنيوياً نحو تقليص الطلب.
الثلاثية الدولية: مرايا لا أسباب
في هذه البيئة تتضح طبيعة الملفات الدولية العالقة كأعراض لا كإشكاليات مستقلة. منظمة التجارة العالمية يُفاوضها النظام منذ 1987، وآخر اجتماع للفرقة المعنية كان في مارس 2014، ومنذ ذلك الحين لا انعقاد ولا تقدم، رغم تصريحات دورية في عهد تبون عن “تسريع المفاوضات”. وبريكس التي طافت دبلوماسية تبون عواصمها المؤثرة -موسكو وبكين وبريتوريا- طالباً دعمها، رُفض طلب الانضمام في قمة جوهانسبرغ 2023 حين قُبلت ست دول أخرى من بينها إثيوبيا التي تمتلك ناتجاً أقل بكثير لكن معدلات نمو أعلى بكثير. ولا يجب أن يُقرأ الرفض كإهانة بروتوكولية؛ بريكس منظومة اقتصادية تريد اقتصادات متنوعة قابلة للنمو، لا اقتصادات ريعية تبحث عن مشروعية دبلوماسية.
القاسم المشترك بين الثلاثة أن كلاً منها يشترط شفافية الأرقام، وقدرة تنافسية خارج بئر النفط، وقابلية التنبؤ المؤسسي. وهذه المتطلبات الثلاثة تتعارض هيكلياً مع اقتصاد لا يستطيع الإفصاح عن آليات توزيع التراخيص والعطاءات دون أن يُفصح في الآن ذاته عن طبيعة الشبكات التي يرتكز عليها.
الفاتورة القادمة
عجز الميزانية الجزائرية بلغ 11.5% من الناتج المحلي عام 2025، الأعلى بين جميع الدول المصدّرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع توقعات بارتفاعه إلى 12.2% في 2026، فيما يُتوقع أن تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي 80% بحلول 2030. الاحتياطيات الأجنبية تراجعت بأكثر من 12 مليار دولار بين سبتمبر 2024 ويوليو 2025، ما دفع النظام صيف 2025 إلى فرض قيود استيرادية جديدة، أي العودة إلى الحمائية كملاذ طارئ، وهي الدورة ذاتها التي تعيد إنتاج نفسها منذ صدمة 1986.
سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الميزانية الجزائرية يبلغ 142 دولاراً للبرميل، فيما لا يُتوقع أن يتجاوز السعر الفعلي في السنوات القادمة حاجز الستين دولاراً. هذا الفارق الهائل بين تكلفة الاستمرار وما يجنيه ليس مشكلة إدارية أو خطأً في السياسة المالية؛ إنه الفاتورة المتأخرة لستة عقود من الخيار السياسي المتعمد بتحويل الريع إلى أداة ضبط اجتماعي بدلاً من توظيفه رأس مال تنموي.
بطالة الشباب لا تزال عند 30.8% في 2025، فيما يعمل 39% من القوى العاملة في الاقتصاد غير الرسمي، وكلا الرقمين لم يتغيرا جوهرياً منذ بداية حقبة تبون. “الجزائر الجديدة” التي وُعد بها الجزائريون عام 2019 لا تُقاس بعدد الخطب عن التنويع، بل بهذا الشاب الجزائري الذي يبلغ عمره اليوم الخامسة والعشرين ولا يجد في اقتصاد بلاده ما يستوعب طموحه خارج مكتب حكومي أو تجارة موازية.




