
السعودية تعيد توازن القوى في المنطقة
الحرب التي تدور في المنطقة بين إيران وأمريكا وإسرائيل تعيد توازن القوى في المنطقة وفقا لأربعة قواعد استراتيجية وأمنية وجيوسياسية واقتصادية، وهذه القواعد لا تجتمع إلا في السعودية.
يأتي ذلك مع إصرار إسرائيل على استخدام القوة المفرطة في فرض وقائع على الأرض، وتوجيه السياسات بالقوة وفق تصوراتها ومصالحها الخاصة، وهي السلوكيات العدائية التي ترفضها السعودية، وتعدها مضرة بالسلم الإقليمي، خصوصا بعدما مر الشرق الأوسط بتحولات بنيوية منذ 7 أكتوبر 2023، وسعت إسرائيل لتوسيع نفوذها خصوصا بعدما فقدت إيران كثيرا من قدراتها على استخدام أذرعها الخارجية، وبشكل خاص بعدما خرجت سوريا من محورها، وتم منع قيام دولة فلسطينية. هذه التغيرات العميقة تجعل من التعاون السياسي والأمني والدفاعي بين الرياض وواشنطن عنصرا حاسما في منع الانزلاق نحو فوضى طويلة في المنطقة.
لإعادة تعريف دور الرياض ومكانها وشكل التحالف مع واشنطن، وتسمية السعودية حليفا رئيسيا للولايات المتحدة من خارج الناتو، يتأسس الموقف السعودي على رؤية شاملة تنطلق من مبدأ محوري من ان الأمن لا يصاغ بالقوة المجردة، ولا بمنطق التصعيد المستدام، بل يبنى بتوازن دقيق بين الردع السياسي، والانفتاح الدبلوماسي، وصناعة المصالح المشتركة التي تحمي العلاقات وتحافظ على استدامتها، ومن هذا المنطق برزت السعودية بوصفها فاعلا إقليميا يعيد تعريف دوره بوصفه قوة استقرار تسعى إلى إطفاء بؤر التوتر وحسمها في نفس الوقت.
تحضرت السعودية لأي تغيرات مفاجئة قد تحصل في منطقة شديدة السيولة أمنيا وسياسيا، لذا اتجهت نحو بناء منظومة دفاعية متطورة، دون أن يعني ذلك أنها تسعى نحو الصدام، بل تقوم بتوفير أدوات تمنع التصعيد، او الاعتداء على الأراضي السعودية، أو تهديد المصالح الاقتصادية، فكانت قراءتها استباقية لواقع المنطقة، خصوصا انها تتوقع حدوث صدام محتمل في الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وبالفعل تم استهداف إيران في 28 فبراير 2026 حيث اتجهت إيران إلى التركيز على الجغرافيات الصغيرة، واستهدفت الامارات بنحو 50% من إجمالي استهدافات دول الخليج، فيما كان استهداف السعودية 18% رغم جغرافيتها الكبيرة، بسبب خبرتها في اعتراض المسيرات والصواريخ، خصوصا بعد استهداف منشآت النفط في بقيق عام 2019، وكذا تحديث السعودية لمنظوماتها الدفاعية في عام 2015 وعام 2019، ناهيك عن عملية تطوير متقدم جدا في 2025.
وقد واجهت السعودية “المجلس الانتقالي” وقامت بوقف الفوضى في جنوب اليمن في ديسمبر 2025، في خطوة استباقية لهذه الحرب؛ واتجهت خصوصا إلى دعم الصومال والسودان، فعدلت التوازن الاستراتيجي في المنطقة بعدما حجمت النفوذ الإسرائيلي. سبقت هذه الخطوة بالاتفاق الدفاعي مع باكستان في سبتمبر 2025، في لحظة مشحونة إقليميا ودوليا، وقد وصفت هذه الاتفاقية بالتاريخية لما تحمله من أبعاد استراتيجية عميقة. اتفاقية لم تأت من فراغ، بل جاءت امتدادا لعلاقات تمتد لأكثر من 8 عقود بين البلدين، وترسل رسائل متعددة المستويات إلى الإقليم والعالم، خصوصا وأن المنطقة شهدت عربدة في الدوحة، وإبادة في غزة، مما يستوجب تضمين العلاقة السعودية الباكستانية ضمن استراتيجيات الأمن العربي، وهو ما يعبر عن سياسة سعودية حذرة بعيدة عن الانفعال، تسمح بتوزيع مصادر القوة، خصوصا وأن السعودية ترى ان التوازن الاستراتيجي الذي تسعى له، لا يقتصر على مواجهة البندقية بأخرى، بل يشمل توازنا في القوى عبر محاور متعددة، وأن الرادار السعودي يقرأ بعناية المهددات الإقليمية، ويعيد ترتيب التحالفات وفق حسابات دقيقة. هذه الاتفاقية، تضيف ضغطا على الإدارة الأمريكية التي تخشى إعادة اصطفاف القوى في الشرق الأوسط بعيدا عن مظلتها التقليدية، لكنه يضغط على واشنطن لتسريع اتفاقيات دفاعية وقعتها مع السعودية، وهو ما جعل إيران تتردد في استهداف السعودية على غرار دول الخليج، وفي كل مرة يتم فيها استهداف السعودية تنفي إيران استهداف السعودية وتتهم أمريكا وإسرائيل.
السعودية صانعة معادلة توازن قوى ولن تسمح لا لإيران ولا لإسرائيل باللعب أمامها في صناعة معادلة توازن قوى، بل ستسعى إلى جعل عملية توزيع الجاذبية التجارية بعد حرب إيران، تتركز في السعودية، مستفيدة من انتقال المراكز المالية والتجارية إلى الرياض خصوصا، بعدما أصبحت المسارات البرية والبحرية حصريا في السعودية على البحر الأحمر.
هكذا أصبحت السعودية بديلا بريا، بحريا، تجاريا، ماليا لتجارة المنطقة، وهو ما يبرز واضحا في أزمة مضيق هرمز الحالية، التي تعتبر تحولا استراتيجيا في المنطقة، يعيد تشكيل خريطة الاعتماد على مضيق هرمز؛ أي أن السعودية لم تعد تعتمد على مضيق هرمز. وقد أفاد أحدث التقارير أن الممر البري شرق غرب بترولاين لنقل النفط وتصديره من ينبع بسعة 7 ملايين برميل يوميا، يعتبر أخطر ممر صنع في خلال المائة العام الماضية، ففي هذه الأزمة، لم تتأثر السعودية كما تأثرت بقية دول الخليج.
لقد حولت السعودية الأزمة إلى مكاسب وفوائد متعددة لها لوجستيا، وجيوسياسيا واقتصاديا، وماليا، والأهم أن السعودية ستخرج من هذه الأزمة كقوة مركزية، وكل الدول الخليجية التي تعتمد على مضيق هرمز ستلجأ إلى السعودية للبحث عن بدائل لمضيق هرمز مستقبلا، على غرار خط الأنبوب العراقي لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، الذي تم إنشاؤه في الثمانينات من القرن الماضي بطاقة 1.6 مليون برميل، قبل أن يغلق عام 1990 بعدما احتل صدام حسين الكويت. كما أن لدى السعودية خيارات أكثر عبر مد خطوط أنابيب عبر حضرموت والمهرة، وكذلك نقل النفط عبر خط انابيب سوميد من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير بالإسكندرية على البحر المتوسط، بطول 320 كم، وهو ما يمثل شريانا استراتيجيا بديلا لقناة السويس لنقل نفط الخليج العربي إلى أوروبا، بطاقة تتجاوز 2.5 مليون برميل يوميا، حيث تم بالفعل نقل أكثر من 50-61 مليون طن من النفط الخام في الفترة 2018-2025.
لقد بنت السعودية في الفترة الماضية وفق رؤية المملكة 2030 بنية تحتية استراتيجية غير مرئية لأي استهداف، تمنحها ميزة تنافسية طويلة الأمد جاذبة للاستثمارات العالمية، مقارنة ببقية دول الخليج الأخرى التي لا تمتلك عمقا جغرافيا مماثلا، خصوصا بعد هذه الأزمة التي أثبتت انها معرضة للاستهدافات والخطر، وهو ما يفرض على السعودية إعادة توزيع الجاذبية التجارية الإقليمية خصوصا بعد الأزمة، التي ولدت حالة إجماع خليجي غير مسبوق ورسالة موحدة للمجلس الخليجي.
وتتجه السعودية نحو الضغط على واشنطن كقوة مرجعية عربية إسلامية خليجية بل ودولية في إدارة عدد من الملفات، وعلى رأسها ملف الطاقة الشريان الاقتصادي للعالم، من أجل وقف هذه الحرب، خصوصا بعد تدمير قوة إيران بشكل دائم. ومما يجدر ذكره أن إيران تجاوزت الخطوط الحمراء في هذه الحرب، مما يمكنه أن يمنح السعودية شرعية سياسية لصياغة ترتيبات أمنية لمقاضاة إيران وتعويض الدول المتضررة، خصوصا بعد أن صدرت إدانة أممية في 18/3/2026 تمثلت في صدور قرار يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن، وصوتت 13 من الدول ال15 الأعضاء لمصلحة القرار، بينما امتنعت روسيا والصين عن التصويت. وجاء قرار المجلس رقم 2817 الذي قدمته دول الخليج والأردن وتبنته 135 دولة مطالبا إيران بوقف هجماتها على الفور، وأكدت السعودية على ما ورد في مضامين القرار، واحتفاظها بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية امنها وسيادتها وسلامة أراضيها، وردع العدوان، على النحو المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
هذه الإدانة بإجماع دولي غير مسبوق، جعلت القرار بوصف بالتاريخي، وأنه يعكس موقفا دوليا حازما في رفض هذه الاعتداءات غير المشروعة، مما يشكل دليلا صارخا على انتهاك إيران للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية والأممية. وخلال مشاركة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الاجتماع التشاوري في الرياض في 11/3/2026، بهدف القيام بتحرك جماعي لتفادي مزيد من التدهور، مع التركيز على حماية أمن الدول واستقرارها، ومنع اتساع رقعة الصراع، داعيا إيران إلى وقف اعتداءاتها على الدول الخليجية والعربية، ومحذرا من أن هذا التمادي سيكون له ثمن، وأن إيران لن تكون شريكا حقيقيا لدول المنطقة، وهي تتصرف على هذا النحو العدواني، وأن الثقة معها قد تحطمت، خصوصا وأن سلوك إيران امتداد لنهج قائم على الابتزاز ورعاية المليشيات، بما يهدد أمن واستقرار دول الجوار، وهذا ما لا تقبله السعودية ولا دول الخليج، وعلى إيران أن تعي ان دول الخليج قادرة على الرد السياسي وغيره، ووجه وزير الخارجية السعودي رسالة لإيران بقوله آمل أن يفهموا رسالة هذا الاجتماع ويتوقفوا عن استهداف جيرانهم، ولكني أشك أن لديهم هذه الحكمة، والصبر الذي مارسته دول الخليج ليس بلا حدود، وبالتالي فالتصعيد الإيراني سيقابله تصعيد في الجهة المقابلة، سواء عبر الموقف السياسي او غيره من الأدوات.
وأكد وزير الخارجية السعودي أن إيران لم تكن يوما شريكا استراتيجيا للسعودية، وكان يمكنها ان تصبح كذلك لو تخلت عن أفكار الهيمنة الإقليمية وتصدير الثورة واستخدام القوة، مذكرا أنه كانت هناك محاولات متكررة من السعودية لمد يد الأخوة للإيرانيين، وآخرها اتفاق بكين، لكن الجانب الإيراني لم يقابل هذه اليد الممدودة بمثلها.




