
هل تسهم التساقطات المطرية في المغرب في تعزيز السيادة الغذائية؟دراسة تحليلية لموسم 2025-2026
مقدمة
يشكل التغير المناخي أحد أبرز التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل معالم الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول التي لا تزال قطاعاتها الإنتاجية مرتبطة بشكل وثيق بالعوامل الطبيعية، وفي مقدمتها التساقطات المطرية. ويُعد المغرب من بين هذه الدول، حيث يحتل القطاع الفلاحي موقعًا استراتيجيًا داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى مساهمته في الناتج الداخلي الخام، وقدرته على توفير مناصب الشغل، إضافة إلى دوره المركزي في تأمين حاجيات السوق الوطنية من المواد الغذائية الأساسية.
وخلال الموسم المطري 2025-2026، سجل المغرب تحسنًا ملحوظًا في مستويات التساقطات مقارنة بالسنوات السابقة التي اتسمت بحدة الجفاف وتراجع الموارد المائية، حيث بلغت الأمطار ما بين سبتمبر 2025 ويناير 2026 حوالي 121.5 ملم، بزيادة مهمة مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق، مع تسجيل تباين مجالي واضح بين مختلف جهات المملكة. وقد أعاد هذا التحسن طرح النقاش حول العلاقة بين المناخ والإنتاج الفلاحي، ومدى قدرة التساقطات المطرية على إعادة تشكيل ملامح الأمن الغذائي والسيادة الغذائية بالمغرب.
في هذا السياق، تتمحور الإشكالية المركزية لهذه الدراسة حول السؤال التالي: الى اي حد يمكن للتساقطات المطرية خلال موسم 2025-2026 أن تساهم في تعزيز السيادة الغذائية بالمغرب، أم أن أثرها يظل ظرفيًا ومحدودًا في ظل الحاجة إلى مواصلة تطوير المنظومة الفلاحية والمائية وتعزيز قدراتها الهيكلية؟
وانطلاقًا من هذه الإشكالية، تسعى الدراسة إلى تحليل العلاقة بين التساقطات المطرية والإنتاج الفلاحي بالمغرب خلال الموسم المذكور، مع التركيز على انعكاساتها على السيادة الغذائية، وعلى قدرة الاقتصاد الوطني على تقليص التبعية الخارجية في المواد الغذائية الأساسية. كما تهدف إلى تفكيك حدود هذا الأثر في ظل استمرار الهشاشة البنيوية التي تطبع القطاع الفلاحي، خاصة ارتباطه الكبير بالتقلبات المناخية. علما ان التساقطات المطرية، رغم دورها الحاسم في تحسين الأداء الفلاحي على المدى القصير، لا يمكن أن تؤسس وحدها لسيادة غذائية مستدامة، ما لم تُدمج ضمن رؤية إصلاحية شاملة لإدارة الموارد المائية وتحديث النموذج الفلاحي.
وللإجابة عن هذه الإشكالية واختبار هذه الفرضية، تم تقسيم الدراسة إلى ثلاثة أقسام رئيسية وخاتمة :
- يتناول القسم الأول تحليل التساقطات المطرية في المغرب خلال موسم 2025-2026 من حيث المعطيات الرقمية والتوزيع المجالي، وبيان دورها في الاقتصاد الوطني.
- ويعالج القسم الثاني انعكاسات هذه التساقطات على الإنتاج الفلاحي وعلى مؤشرات السيادة الغذائية.
- بينما يخصص القسم الثالث لمناقشة حدود التعويل على الأمطار، واستشراف رهانات الإصلاح الهيكلي نحو بناء سيادة غذائية مستدامة.
القسم الأول: التساقطات المطرية في المغرب خلال موسم 2025-2026 (التحول المناخي والمعطيات الرقمية)
يمثل القطاع الفلاحي في المغرب أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالتقلبات المناخية، ولا سيما التساقطات المطرية، حيث يشكل المطر العامل الحاسم في تحديد مستويات الإنتاج، خاصة في النظم الزراعية البورية التي تعتمد بشكل شبه كلي على الأمطار. وفي هذا السياق، لا يقتصر تأثير التساقطات المطرية على بعدها الفلاحي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى كونها متغيرًا اقتصاديًا حاسمًا في معادلة النمو، بالنظر إلى انعكاسها المباشر على مجموعة من المؤشرات الكلية.
فعلى الرغم من القفزات النوعية التي حققها الاقتصاد المغربي في قطاعات الطيران، والسيارات، والطاقة المتجددة، لا يزال القطاع الفلاحي يمثل “الترمومتر الحقيقي” للنمو الاقتصادي الوطني. وتتجلى خصوصية هذا القطاع في كونه محركًا رئيسيًا لعدد من المؤشرات الماكرو-اقتصادية، حيث تظل التساقطات المطرية، رغم توسع تقنيات الري الحديث، عاملًا حاسمًا يؤثر بشكل مباشر على:
- الناتج الداخلي الخام عبر مساهمة القيمة المضافة الفلاحية في تحديد معدل النمو العام؛
- توازنات الميزان التجاري من خلال تقليص واردات الحبوب وتعزيز الصادرات الفلاحية؛
- الاستقرار الاجتماعي عبر ضمان دخل قار للأسر القروية التي تمثل جزءًا مهمًا من الطلب الداخلي؛
- مستوى التضخم باعتبار ارتباط أسعار المواد الغذائية بمردودية الإنتاج الوطني.
وبناءً على ذلك، بدأت المقاربة التقليدية التي تختزل العلاقة في مقولة “المطر محرك الاقتصاد” تتغير تدريجيًا، نحو تصور أكثر تركيبًا يقوم على أن “الإدارة المائية أصبحت محرك النمو”، في ظل انتقال المغرب من منطق الانتظارية المناخية إلى منطق التدبير الاستباقي للموارد المائية، عبر تطوير بدائل تقنية مثل تحلية المياه وإعادة استخدام المياه العادمة، بهدف تقليص حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات التساقطات.
في هذا الإطار، شهد المغرب خلال الموسم المطري 2025-2026 تحسنًا ملحوظًا في الوضعية المناخية مقارنة بالسنوات الأخيرة التي اتسمت بحدة الجفاف وتراجع التساقطات، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين الموارد المائية والإنتاج الفلاحي والسيادة الغذائية.
فقد بلغت التساقطات المطرية المسجلة ما بين شتنبر 2025 ويناير 2026 حوالي 121.5 ملم، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 114% مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق، وبنسبة 24% فوق المعدل الاعتيادي، مع تقديرات تشير إلى تجاوز التراكمات الوطنية عتبة 360 ملم في بعض المناطق.
جدول (1): تطور التساقطات المطرية بالمغرب (2024-2026)
| الفترة | كمية التساقطات (ملم) | نسبة التغير |
| شتنبر 2024 – يناير 2025 | حوالي 56 ملم (تقديري) | — |
| شتنبر 2025 – يناير 2026 | 121.5 ملم | +114% |
| المعدل السنوي الاعتيادي | حوالي 98 ملم | +24% |
من الناحية المجالية، تميز الموسم الحالي بتوزيع غير متكافئ للتساقطات، حيث تركزت الأمطار الغزيرة في المناطق الشمالية، خاصة طنجة وتطوان والعرائش، التي سجلت في بعض المناطق أكثر من 700 ملم. كما سجلت طنجة حوالي 262 ملم، والعرائش 213 ملم، مما يعكس دينامية مناخية قوية في الشمال الأطلسي والمتوسطي.
في المقابل، شهدت مناطق الوسط، خصوصًا الشاوية (سطات وبرشيد)، تحسنًا نسبيًا، كان له أثر إيجابي على الزراعات البورية، بينما ظلت المناطق الداخلية والجنوبية أقل استفادة، ما يؤكد استمرار الفوارق المجالية في توزيع الموارد المائية.
جدول (2): توزيع التساقطات حسب المناطق (2025-2026)
| المنطقة | كمية التساقطات (ملم) | الملاحظة |
| طنجة | 262 ملم | تحسن قوي |
| العرائش | 213 ملم | تحسن مهم |
| تطوان | أكثر من 700 ملم | أمطار غزيرة جدًا |
| سطات | تحسن نسبي | دعم الزراعات البورية |
| برشيد | تحسن متوسط | أثر محدود |
ويُبرز هذا التوزيع المجالي استمرار نمط مناخي غير متوازن، حيث تستفيد المناطق الشمالية بشكل أكبر من التساقطات، مقابل استمرار هشاشة مناطق أخرى من حيث الموارد المائية.
وعلى المستوى التحليلي، فإن هذا التحسن المطري لا يمكن قراءته كمعطى ظرفي فقط، بل كعنصر مؤثر في إعادة تشكيل التوازنات المائية والفلاحية، في سياق اقتصاد لا يزال يعتمد بشكل هيكلي على المناخ في تأمين جزء مهم من إنتاجه الغذائي.
غير أن هذا التحسن يطرح إشكالية مركزية ذات بعد استراتيجي: هل تكفي سنة مطيرة لإعادة بناء السيادة الغذائية، أم أن الأمر يتطلب إصلاحًا هيكليًا عميقًا يتجاوز منطق التعويل الموسمي على الأمطار؟
القسم الثاني: انعكاسات التساقطات المطرية على الإنتاج الفلاحي والسيادة الغذائية بالمغرب
يمثل القطاع الفلاحي في المغرب أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالتقلبات المناخية، ولا سيما التساقطات المطرية، حيث يشكل المطر العامل الحاسم في تحديد مستويات الإنتاج، خاصة في النظم الزراعية البورية التي تعتمد بشكل شبه كلي على الأمطار. وفي هذا السياق، أفرز التحسن المطري المسجل خلال موسم 2025-2026 مجموعة من الانعكاسات الأولية على الإنتاج الفلاحي، مع إعادة طرح سؤال السيادة الغذائية في ظل استمرار الهشاشة البنيوية للقطاع.
1. التأثيرات الإيجابية على الإنتاج الفلاحي
أدى ارتفاع التساقطات المطرية مقارنة بالسنوات السابقة إلى تحسن نسبي في الوضع الزراعي، خصوصًا في المناطق البورية التي عانت بشكل مباشر من آثار الجفاف خلال المواسم الماضية. وقد انعكس هذا التحسن في:
- تحسن الغطاء النباتي في المراعي الطبيعية، مما دعم قطاع تربية الماشية وخفف من تكاليف الأعلاف.
- انتعاش زراعة الحبوب (القمح والشعير)، باعتبارها الأكثر حساسية للتساقطات، حيث ساهمت الأمطار في تحسين الإنبات ورفع مردودية بعض المناطق.
- تحسن نسبي في الموارد المائية السطحية، عبر تغذية السدود والفرشات المائية، مما وفر شروطًا أفضل للأنشطة الزراعية المروية في بعض الأحواض.
غير أن هذا التحسن يظل متفاوتًا جغرافيًا، إذ استفادت المناطق الشمالية والوسطى بشكل أكبر من غيرها، في حين ظلت بعض المناطق الداخلية والجنوبية خارج نطاق التأثير الإيجابي المباشر.
2. حدود الأثر الفلاحي للسنة المطيرة
على الرغم من المؤشرات الإيجابية، فإن أثر السنة المطيرة(السنة المطيرة هي سنة مناخية تتميز بـ ارتفاع كمية التساقطات المطرية بشكل يفوق المعدل السنوي المعتاد في منطقة معينة.) يظل محدودًا لعدة اعتبارات بنيوية، من أهمها:
- الاعتماد الكبير على الزراعة البورية التي تجعل الإنتاج الفلاحي رهينًا بتقلبات المناخ.
- ضعف البنية التحتية المائية في عدد من المناطق، مما يقلل من قدرة تحويل الفائض المطري إلى مخزون استراتيجي.
- استمرار تذبذب التساقطات زمانيًا ومجاليًا، ما يحد من استقرار الدورة الفلاحية.
- هشاشة سلاسل القيمة الفلاحية أمام الصدمات المناخية، خاصة في غياب تأمين فلاحي شامل وفعال.
وبذلك، فإن أثر الأمطار الإيجابي يبقى ظرفيًا ومحدود الاستدامة، ما لم يتم إدماجه ضمن سياسات هيكلية طويلة المدى.
3. العلاقة بين التساقطات والسيادة الغذائية
تُعد السيادة الغذائية مفهومًا يتجاوز مجرد توفر الإنتاج الفلاحي، ليشمل قدرة الدولة على ضمان استقرار الإمدادات الغذائية من حيث الكمية والجودة والاستمرارية. وفي الحالة المغربية، يظهر أن التحسن المطري، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق هذه السيادة، وذلك لعدة أسباب:
- استمرار التبعية للظروف المناخية في إنتاج الحبوب الأساسية.
- ارتفاع التقلبات السنوية في الإنتاج الفلاحي نتيجة عدم استقرار التساقطات.
- ضعف الاكتفاء الذاتي في بعض المواد الغذائية الأساسية رغم بعض التحسن الظرفي.
وبالتالي، فإن السنة المطيرة قد تُحسن المؤشرات الفلاحية على المدى القصير، لكنها لا تؤسس بالضرورة لسيادة غذائية مستقرة.
يمكن القول إن التساقطات المطرية خلال موسم 2025-2026 ساهمت في إعطاء دفعة إيجابية للقطاع الفلاحي المغربي، خصوصًا في مستوى الإنتاج الأولي وتحسين الظروف المائية. غير أن هذا الأثر يظل مؤقتًا ومشروطًا بطبيعة البنية الفلاحية القائمة، التي ما تزال تعتمد بشكل كبير على المناخ بدل الاعتماد على أنظمة إنتاج مرنة ومستدامة.
وعليه، فإن التحسن المطري يبرز كفرصة ظرفية أكثر منه تحولًا بنيويًا، مما يفرض التفكير في سياسات مائية وفلاحية قادرة على تقليص التبعية للمناخ وتعزيز الأمن الغذائي بشكل مستدام، وهو ما سيُفصل في القسم الثالث من هذه الدراسة.
القسم الثالث: حدود التعويل على التساقطات المطرية ورهانات الإصلاح الهيكلي نحو سيادة غذائية مستدامة
رغم ما أفرزته التساقطات المطرية خلال موسم 2025-2026 من مؤشرات إيجابية على مستوى الموارد المائية والإنتاج الفلاحي، فإن تحليل هذه الدينامية يبرز أن التحسن الظرفي في الأمطار لا يمكن أن يشكل في حد ذاته قاعدة كافية لبناء سيادة غذائية مستقرة ومستدامة. فالإشكال يتجاوز المعطى المناخي الآني ليعكس طبيعة البنية الفلاحية والمائية ومدى قدرتها على التكيف مع التقلبات المناخية المتكررة.
1. هشاشة النموذج الفلاحي أمام التقلبات المناخية
يُظهر الواقع الفلاحي المغربي استمرار الارتباط القوي بين الإنتاج الفلاحي والعوامل المناخية، خصوصًا في ما يتعلق بالزراعات البورية التي تمثل جزءًا مهمًا من الإنتاج الوطني. ويؤدي هذا الارتباط إلى عدد من الانعكاسات البنيوية، من أبرزها:
- تذبذب الإنتاج السنوي للحبوب والمواد الغذائية الأساسية؛
- صعوبة ضمان استقرار سلاسل التموين الغذائي؛
- استمرار الضغط على الميزان التجاري الفلاحي من خلال واردات الحبوب والمواد الأساسية.
وبذلك، فإن التحسن المطري، رغم أهميته، لا يغير بشكل جذري من مستويات الهشاشة البنيوية التي تطبع النموذج الفلاحي القائم.
2. حدود التدبير المائي التقليدي وتجربة إعادة توزيع الموارد
تكشف التجربة المغربية في السنوات الأخيرة أن تدبير الموارد المائية يواجه تحديات مرتبطة بتزايد التقلبات المناخية، حيث لا يتم دائمًا تحويل الفائض المطري إلى مخزون استراتيجي بالشكل الأمثل، وذلك نتيجة:
- محدودية قدرات التخزين في بعض الأحواض والسدود؛
- الحاجة إلى تعزيز شبكات توزيع المياه الفلاحية؛
- استمرار فقدان جزء من الموارد عبر التبخر أو الجريان السطحي غير المستغل.
وفي المقابل، راكم المغرب تجربة مهمة في مجال إعادة توزيع الموارد المائية بين الأحواض، خاصة من خلال مشاريع الربط المائي التي تهدف إلى نقل المياه من المناطق الشمالية الأكثر استفادة من التساقطات نحو المناطق الوسطى والجنوبية التي تعرف خصاصًا مائيًا نسبيًا. وقد شكلت هذه المشاريع، إلى جانب تطوير السدود الكبرى، خطوة مهمة في اتجاه تعزيز الأمن المائي وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الماء.
ورغم أهمية هذه الإنجازات، فإن فعاليتها تظل رهينة بقدرة المنظومة المائية على التطوير المستمر، بما يسمح بتحويل الفائض المطري، كلما سمحت الظروف المناخية، إلى رافعة استراتيجية دائمة للأمن الغذائي.
3. الإطار الاستراتيجي: استراتيجية “الجيل الأخضر” وتحديث القطاع الفلاحي
في سياق مواجهة تحديات المناخ والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، أطلق المغرب استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” باعتبارها إطارًا مرجعيًا لتحديث القطاع الفلاحي وتعزيز استدامته. وتمثل هذه الاستراتيجية امتدادًا وتطويرًا لمخطط المغرب الأخضر، مع تركيز أكبر على البعد الاجتماعي والبيئي.
وتقوم هذه الاستراتيجية على محورين رئيسيين:
- محور اجتماعي يهدف إلى تعزيز دور الطبقة الفلاحية، خاصة الشباب والساكنة القروية، من خلال تحسين الدخل والاندماج الاقتصادي والاجتماعي؛
- محور اقتصادي-بيئي يركز على تحديث سلاسل الإنتاج، وتثمين الموارد المائية، وتطوير الفلاحة الذكية والرقمية، وتعزيز الاستدامة البيئية.
وفي هذا الإطار، تكتسي التساقطات المطرية أهمية داعمة لهذه الاستراتيجية، باعتبارها عاملاً مساعدًا على تحسين الإنتاج وتعزيز مردودية الأنشطة الفلاحية، غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطًا بقدرة هذه الاستراتيجية على تحويل التحسن الظرفي في المناخ إلى مكاسب هيكلية دائمة، من خلال تحسين حكامة الماء، وتحديث تقنيات الإنتاج، وتعزيز مرونة القطاع الفلاحي.
4. نحو نموذج فلاحي أكثر مرونة واستدامة
تفرض التحولات المناخية المتسارعة إعادة التفكير في النموذج الفلاحي المغربي، بما يضمن الانتقال من منطق الفلاحة المرتبطة بالتقلبات المطرية إلى منطق الفلاحة القادرة على التكيف مع المناخ. ويقتضي ذلك:
- توسيع الاعتماد على تقنيات الري الذكي والاقتصاد في الماء؛
- تطوير بذور مقاومة للجفاف والتغيرات المناخية؛
- تعزيز أنظمة التأمين الفلاحي ضد المخاطر المناخية؛
- إعادة توجيه الاستثمارات نحو سلاسل إنتاج مستدامة وعالية القيمة المضافة؛
- تقوية التكامل بين السياسات المائية والفلاحية والغذائية.
5. السيادة الغذائية كرهان استراتيجي متعدد الأبعاد
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن السيادة الغذائية لا يمكن اختزالها في وفرة موسمية ناتجة عن سنة مطيرة، بل هي مشروع استراتيجي طويل المدى يقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة:
- البعد الإنتاجي: تعزيز القدرة الوطنية على إنتاج الغذاء بشكل مستقر؛
- البعد المائي: ضمان تدبير مستدام وفعال للموارد المائية؛
- البعد المؤسساتي: تطوير سياسات عمومية مندمجة قادرة على الاستجابة للمخاطر المناخية.
وعليه، فإن التحسن المطري خلال موسم 2025-2026 يجب أن يُفهم باعتباره فرصة لإعادة طرح الأسئلة البنيوية، أكثر من كونه تحولًا نهائيًا في مسار السيادة الغذائية.
ويمكن القول إن التساقطات المطرية الأخيرة قد وفرت دفعة إيجابية للقطاع الفلاحي المغربي، غير أن استدامة هذا الأثر تظل مرتبطة بمدى تقدم الإصلاحات الهيكلية، وتفعيل الاستراتيجيات الوطنية، وفي مقدمتها استراتيجية “الجيل الأخضر”، باعتبارها إطارًا مرجعيًا لتحديث الفلاحة المغربية وتعزيز قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية وبناء سيادة غذائية أكثر استقرارًا.
خاتمة
يتبين من خلال هذه الدراسة أن التساقطات المطرية المسجلة خلال موسم 2025-2026 قد شكلت عاملًا إيجابيًا مهمًا في إعادة تنشيط القطاع الفلاحي المغربي، سواء على مستوى تحسين الإنتاج الزراعي أو دعم الموارد المائية أو تخفيف بعض الضغوط المرتبطة بتكاليف الإنتاج. وقد أبرز التحليل أن هذا التحسن المناخي انعكس بشكل ملموس على عدد من المؤشرات الفلاحية، خاصة في المناطق الأكثر استفادة من الأمطار.
غير أن قراءة هذا التحسن في إطار السيادة الغذائية تكشف أن أثره يظل مرتبطًا بطبيعته الظرفية وتفاوتاته المجالية، مما يجعل من الصعب اعتباره عنصرًا كافيًا لإحداث تحول بنيوي في المنظومة الغذائية. فالمسألة الغذائية ترتبط بعوامل متعددة تتجاوز وفرة الأمطار، لتشمل البنية الإنتاجية، وتدبير الموارد المائية، وسلاسل التوزيع والتخزين، إضافة إلى مدى قدرة النظام الفلاحي على التكيف مع التقلبات المناخية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الانتقال نحو رؤية أكثر شمولية لإدارة القطاع الفلاحي، تقوم على تعزيز الاستدامة والمرونة، وتحسين نجاعة تدبير الموارد المائية، وتطوير سلاسل الإنتاج والتسويق، بما يضمن تقليص الهشاشة المرتبطة بالتغيرات المناخية. كما تؤكد النتائج أن السيادة الغذائية لا تُبنى فقط على التحسن الظرفي في التساقطات، بل على سياسات طويلة المدى قادرة على تحويل هذه الفرص المناخية إلى مكاسب هيكلية مستدامة.
وبناءً عليه، يمكن القول إن موسم 2025-2026 يمثل فرصة مهمة لإعادة التفكير في علاقة المغرب بالمناخ في المجال الفلاحي، لكنه في الوقت نفسه يبرز الحاجة إلى مواصلة تطوير المنظومة الفلاحية والمائية لضمان أمن غذائي وسيادة غذائية أكثر استقرارًا واستدامة في المستقبل.




