وجهات نظرمختارات

السعودية ومنع انفجار المنطقة ترسم الشرق الأوسط لعقد كامل قادم.

تعتقد إيران أنها في زمن الخداع الشامل خصوصا في عالم لا يكترث بالشرعية، ما جعل إيران تعتقد أنها تواصل مسيرتها بالسردية الوهمية والعنتريات، وتدير سياستها بمنطق الأقنعة المتغيرة، وتحويل الأزمة إلى عقيدة صلبة، وتحويل جيرانها العرب إلى أعداء، والتعامل معهم كحدود وليس كشعوب، بعدما حولت التاريخ إلى ذريعة لإنتاج الصراع المذهبي، من امبراطورية كسرى إلى وهم الخميني، تدير نفوذها عبر خلق فراغات أمنية تدعي ملئها، يجعلها تدعي انتصارات خارجية وهمية ومزعومة.

جاء التضامن الخليجي الواسع بإدانة الاعتداءات على دولة الإمارات الشقيقة وبشكل خاص اتصال بين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يعلن تضامنه مع دولة الإمارات الشقيقة، كانت رسالة غير قابلة للتأويل، مفادها أن الخليج العربي لم يعد ساحة تجارب، ولا منطقة رمادية تعبث بها إيران، ولا تعبر عن تضامن خليجي عاطفي، بل يثبت التضامن الخليجي بانه عقيدة ردع حقيقية وواضحة، وتحول في المفهوم الأمني، ولابد ان تدفع إيران ثمنا استراتيجيا بأن دولة الإمارات ليست بمفردها، ولن تسمح السعودية لإيران بان تستمر في استنزاف دول الخليج بدون دفع ثمن استراتيجي، باعتبار أن الإمارات ليست هدفا منفردا، بل هي جزء من جبهة سياسية تتشكل تدريجيا ضد الفوضى المدارة في المنطقة منذ الثورة الخمينية 1979.

السعودية ترفض أن تتحول المنطقة إلى ميادين للصراعات، تود طي صفحة من الماضي بسببها عانت شعوب المنطقة، وتعثرت بسببها مسيرة التنمية، الموقف السعودي يعكس عمق السياسة الاستباقية التي ترفض مقايضة المكاسب السياسية بحياة شعوب المنطقة، وترى من الضروري استئصال خطر مشاريع الفوضى الأمنية العابرة للحدود وهي ضرورة إنسانية وسياسية لاستقرار يدعم التحول الذي يخدم العالم بحكم موقع المنطقة.

أرادت إيران غلق مضيق هرمز فوقعت في الفخ الأمريكي كعادة أمريكا المتخصصة في نصب الفخاخ للدول، بل قدمت للولايات المتحدة ورقة ثمينة في محاصرة موانئ إيران ومنع خروج أي سفينة لمعاقبة الاتحاد الأوروبي الذي رفض المشاركة في هذه الحرب، والصين والهند اللتان تعتمدان على نفط دول الخليج، وأيضا تأثر اقتصادات دول الخليج.

أرادت إيران اللعب على الوضع الداخلي الأمريكي، عندما أخبر ترمب  الكونغرس في  1 مايو رسميا بأن الأعمال العدائية عملية الغضب الملحمي، التي بدأت في 28 فبراير 2026 توقف إطلاق النار في 7 أبريل 2026، لتفادي مهلة قانونية تلزمه بتفويض الكونغرس، وهي مناورة قانونية، لأن صلاحيات الحرب لعام 1973 الذي يمنح الكونغرس وقف أي حرب بعد 60 يوما دون موافقتهم، أي لا حاجة لتصويت الكونغرس، لكن قوبل تأكيد ترمب بشكوك واسعة النطاق من قبل المشرعين خصوصا الديمقراطيين، لأنهم يعتبرون الدخول في حرب في الشرق الأوسط أسهل بكثير من الخروج منها، ولا زالت أمريكا عالقة عبر وجود مكثف للقوات الأمريكية المنتشرة، فيما يدفع مؤيدو الحرب من الحزب الجمهوري باتجاه استكمال المهمة، باعتبار أن إيران انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار، وجاء الوقت أن تتعلم درسا قاسيا آخر.

أطلقت الولايات المتحدة مشروع الحرية في 4/5/2026 في محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز ومساعدة السفن التجارية العالقة على الخروج من الممر، وتحرير أكثر من 22 ألف بحار على متن نحو 1550 سفينة تجارية، بعدما فرضت إيران سيطرة فعلية عليه عبر التهديد بالألغام والطائرات المسيرة والصواريخ والزوارق الحربية، وردت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل 2026، ووجهت 52 سفينة تجارية تغيير مسارها أو العودة إلى الميناء للامتثال لإجراءات الحصار.

استجاب ترمب بعد يومين من إطلاق مشروع الحرية للوساطة الباكستانية السعودية من أجل تعزيز السلام والاستقرار والمصالحة الإقليمية في هذه المرحلة الحساسة، إشارة اختبار للقيادات الإيرانية من حرس ثوري وغيره، والتوجه نحو حل سلمي للنزاعات عبر الحوار والدبلوماسية من أجل أن يفضي إلى الزخم الحالي إلى اتفاق دائم يحقق سلاما واستقرارا مستدامين في المنطقة وما بعدها، وأي اتفاق يتم التوصل إليه لا يبنى على التسليم، بل على الضبط، بمعنى انه لا يمنح تفويضا، بل يفرض إطارا.

الحديث عن مذكرة تفاهم من صفحة واحدة لا يعني اختصار الأزمة، بل محاولة لتجميدها عند حد يمكن إدارته، ولن تسمح أميركا لإيران بالتحكم في حركة الملاحة بمضيق هرمز خط أحمر، كما أكد وزير خارجية أميركا ماركو روبيو أنه لا سيطرة إيرانية على الشريان البحري، وأي اتفاق ليس نهاية للأزمة وليس تفويضا مفتوحا لإيران، حيث المعادلة الجديدة خفض التصعيد مقابل ضبط السلوك، أو انفراج مؤقت مقابل مراقبة مستمرة، خصوصا وأن إيران وعت الدرس حينما لجأت إلى إغلاق المضيق هو اقصى درجات التصعيد بوصفه أداة ردع قصوى.

دخلت الصين بوضوح على خط الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مع زيارة وزير خارجية إيران عباس عراقجي إلى بكين للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026 وسط ضغط أميركي كبير على بكين لاستخدام نفوذها لدى طهران لفتح مضيق هرمز، قبل أسبوع من زيارة ترمب لبكين للقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ في 14 و 15 مايو 2026، وتأتي الزيارة بينما تراهن واشنطن على دور صيني في تثبيت الهدنة وفتح الممر الحيوي، وترى بكين هناك حاجة لوقف شامل لإطلاق النار، وسرعة استعادة المرور الطبيعي والآمن عبر مضيق هرمز، وفي الملف النووي أنها تثمن التزام إيران بعدم صنع أسلحة نووية مع حق طهران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

أمران رئيسيان دفعا باريس إلى الاستعجال في طرح تفعيل المبادرة المشتركة التي أطلقتها مع بريطانيا والقائمة على تشكيل تحالف دولي لضمان حرية الإبحار في مضيق هرمز، والتي جسدتها قمة الإليزية في 17 أبريل 2026 بمشاركة 50 دولة، يتمثل الأول في الصعوبات التي واجهتها مبادرة الرئيس الأميركي ترمب مشروع الحرية التي بدا سريعا أن العمل بها مقرون بكثير من المخاطر، والثاني مشروع القرار المشترك المقدم إلى مجلس الأمن الدولي الذي يتوقع أن تطول المناقشات بشأنه أياما طويلة.

بالطبع هذا التحالف لن ينخرط إلا بعد الحصول على ضمانات من قبل الطرفين الأمريكي والإيراني، وتقترح باريس باسم التحالف تمكين إيران من عبور المضيق مقابل التزامها بالدخول في مفاوضات بشأن القضايا الجوهرية مع الأميركيين، وان يلتزم الأميركيون برفع الحصار عن مضيق هرمز.

أدركت السعودية أن ترمب يود يحتفظ بهيبة أمريكا قبل زيارته بكين، وفي نفس الوقت تريد الصين صراعا منضبطا بلا انفجار، وقادت السعودية تهدئة محسوبة وأفشلت حصول إيران على معادلة ردع جديدة عبر استخدام مضيق هرمز ورقة ردعية بيدها للهيمنة على المنطقة والتحكم في سلاسل الإمداد العالمية.

السعودية حققت مكاسب جيوسياسية عديدة عند إدارتها للمخاطر الاستراتيجية، على راسها إعادة تشكيل توازنات الخليج والمنطقة عبر تحوط استراتيجي أكثر من استخدام الشعارات العسكرية التي تلتصق بالضجيج السياسي والإعلامي، وإن كانت تنظر السعودية إلى ان الحرب تهديدا مباشرا لمستقبل الاقتصاد الإقليمي والاستقرار الاستثماري ومشاريع التحول الكبرى، لذلك تتجه السعودية نحو رفع مستوى التحوط الاقتصادي والأمني لمرحلة اضطرابات أوسع، هي بذلك تتجاوز التهدئة المؤقتة.

بل تتجه السعودية نحو مرحلة تبنى فيها المعادلات بالنفط والاقتصاد والممرات التجارية التي تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وإعادة تموضع خليجي جيوسياسي واقتصادي واسع الامتداد لمرحلة إقليمية أكثر ارتباطا بالعالم، ووصول الخليج  كمركز عالمي للأعمال والطاقة، وعقد التحالفات الواسعة مع دول مجلس التعاون الخليجي، من أجل الموازنة بين الولايات المتحدة والصين في المنطقة، وفتح قنوات أوسع مع قوى عالمية صاعدة، وهو الطريق الأسرع لتجميد الخسائر وإعادة ترتيب المشهد بتعقيداته.

تتحرك السعودية بعقلية إدارة المخاطر لا بعقلية رهانات الحسم السريع، لكنها تركز على التحركات الدبلوماسية الكثيفة مع جميع القوى مع فتح قنوات مع طهران، وتنسيق عالي المستوى مع باكستان، واتصالات مع الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية لضبط مسار التصعيد، وبالفعل واشنطن استجابت للسعودية واحتوت التراجع، وبكين تدير الإيقاع بالتعاون مع السعودية وباكستان، والخليج يعيد بناء استراتيجيات على أساس أن الضمانات المطلقة انتهى زمانها، خصوصا بعدما كشفت هذه الحرب حدود القوة العسكرية التقليدية.

المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكل كبرى بقيادة سعودية ترسم الشرق الأوسط لعقد كامل قادم.

                      د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

  أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

               Dr_mahboob1@hotmail.com

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى