
المغرب وفرنسا.. عقد استراتيجي جديد يُعيد رسم توازنات المنطقة
بقلم : محمد أعزوز
في زمن تتشابك فيه التحالفات وتتقاطع فيه المصالح بصورة لم يشهدها النظام الدولي منذ عقود، تبرز العلاقات المغربية الفرنسية اليوم نموذجاً استثنائياً يستحق التأمل والتحليل العميق، لا لأنها عادت إلى سابق عهدها فحسب، بل لأنها تجاوزت ذلك العهد نحو أفق أرحب وأكثر نضجاً وتوازناً. ما نشهده اليوم ليس مجرد تصحيح لمسار دبلوماسي عرف فترة من التوتر والبرود، بل هو تأسيس حقيقي لعقد استراتيجي جديد يرتكز على قواعد مغايرة تماماً للمنطق القديم الذي حكم هذه العلاقة لعقود طويلة، منطق كانت فيه الندية مطلباً مغربياً وليست مسلّمة دبلوماسية، وهو ما يجعل هذه المرحلة من تاريخ الشراكة بين الرباط وباريس تستحق أن تُسجَّل بحروف من ذهب في سجل الإنجازات الدبلوماسية المغربية.
ولفهم حجم هذا التحول، لا بد من استحضار السياق الذي سبقه، إذ مرت العلاقات المغربية الفرنسية بمرحلة من البرود الدبلوماسي الذي ألقى بظلاله الثقيلة على شراكة تاريخية عميقة الجذور، وتراكمت خلالها الالتباسات وتضاربت التصريحات وتعثرت مسارات التعاون في أكثر من ملف، وكان ذلك دليلاً لا على ضعف هذه العلاقة بل على أنها بلغت مرحلة من النضج تجعلها تتجاوز نمط العلاقات التقليدية القائمة على الولاء غير المشروط، نحو علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والتوازن الحقيقي في المصالح. وكان المغرب طرفاً واعياً بأوراق قوته في هذه المعادلة، فلم يُقدِّم تنازلات مجانية ولم يتعجّل إعادة الدفء على حساب ثوابته وسيادته، بل انتظر حتى اكتملت شروط الشراكة الندية التي طالما طالب بها ويستحقها.
وقد جاءت الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024 كمنعطف حاسم في هذا المسار، لا لأنها كسرت جموداً دبلوماسياً وحسب، بل لأنها حملت في طياتها رسائل سياسية بالغة الدلالة والعمق تؤكد أن باريس باتت تنظر إلى الرباط بعيون مختلفة. فقد انتقل الخطاب الفرنسي الرسمي بشكل ملموس من منطق “الوصاية القديمة” الموروث عن حقبة الحماية التي طالت آثارها الثقافية والنفسية حتى العقود الأخيرة، إلى منطق “الشراكة الندية” مع دولة تمتلك خياراتها الجيوسياسية المتنوعة ونفوذها الإقليمي المتصاعد وعلاقاتها الدولية المتشعبة. وقد تُوِّجت هذه الزيارة بتوقيع إعلان “الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية الوطيدة”، الذي يمثل في حد ذاته نقلة نوعية في البنية القانونية والسياسية للعلاقات الثنائية، معلناً بوضوح أن مرحلة جديدة بدأت لا رجعة فيها.
غير أن التحول الأعمق والأكثر استراتيجية في هذه المرحلة يبقى الاعتراف الفرنسي الصريح بمغربية الصحراء، وهو الإنجاز الدبلوماسي المغربي الأبرز الذي يكشف عن حجم التحولات التي أحدثتها السياسة الخارجية المغربية في مواقف الشركاء الدوليين. فحين أكد ماكرون في رسالته الواضحة إلى جلالة الملك محمد السادس أن “الحاضر والمستقبل للصحراء يقعان في إطار السيادة المغربية”، معتبراً مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب عام 2007 “الحل الوحيد والواقعي”، لم يكن ذلك موقفاً فرنسياً عفوياً أو منفرداً، بل كان استجابة منطقية لضغط دبلوماسي مغربي متراكم ولدينامية دولية كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أطلقتها بإعلانها التاريخي في ديسمبر 2020. وبهذا الموقف، أعادت فرنسا رسم موقعها في المعادلة الدولية للنزاع، مغادِرةً مربع الغموض الاستراتيجي الذي طالما أربك العلاقة مع الرباط، ومنضمّةً إلى قافلة الدول التي باتت تعترف بواقعية مقترح الحكم الذاتي وجدّيته بوصفه الحل الأمثل لاستقرار المنطقة.
وما يُضفي على هذا الموقف الفرنسي قيمة مضاعفة هو موقع باريس داخل المنظومة الأوروبية، إذ إن اعترافها يُسهم تلقائياً في عزل الأطروحات الانفصالية داخل الاتحاد الأوروبي ويُضيّق هامش المناورة أمام الدول التي لا تزال تتبنى مواقف ملتبسة، فضلاً عن أن فرنسا القوة النووية وعضو مجلس الأمن الدائم لها ثقل مختلف تماماً في السياق الدولي. وهكذا يتحول الاعتراف الفرنسي من موقف ثنائي إلى رافعة متعددة الأبعاد تخدم المسار المغربي في المحافل الأممية وتعزز الإجماع الدولي المتنامي حول مغربية الصحراء الذي تجاوز اليوم مئة وعشرين دولة.
وإذا كانت زيارة ماكرون للرباط قد أرست الأسس فإن الزيارة الملكية المرتقبة لجلالة الملك محمد السادس إلى باريس ستمثل لحظة التتويج والتوثيق لهذا المسار الجديد في أبهى صوره. فمن المنتظر أن تُشكّل هذه الزيارة الإطار الرسمي لإطلاق معاهدة استراتيجية تاريخية ستكون الأولى من نوعها بين المغرب ودولة أوروبية، لا من حيث وجودها فحسب بل من حيث روحها ومضمونها الذي يُعوِّض الاتفاقيات التقليدية القديمة بإطار قانوني وسياسي يلائم متطلبات القرن الحادي والعشرين بكل تعقيداته ورهاناته. هذه المعاهدة ستكون وثيقة حية لا جامدة، خريطة طريق قابلة للتطوير لا نصاً منتهياً، تنبثق من رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة لا من إرث ثقيل للماضي.
وتشمل المحاور الاستراتيجية التي ستُؤطّر هذه المعاهدة مجالات محورية تعكس حجم الطموح المشترك وعمقه؛ ففي ملف الأمن والدفاع، سيُعزَّز التنسيق في منطقة الساحل والصحراء التي تشهد اضطرابات متصاعدة، مع التركيز على مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية وتطوير قدرات مشتركة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وهو ملف تمتلك فيه الرباط خبرة استخباراتية وميدانية تحتاجها باريس بشدة بعد أن تراجع نفوذها في منطقة الساحل. أما على المستوى الاقتصادي، فإن المعاهدة ستفتح آفاقاً واعدة في قطاعات المستقبل كالطاقة المتجددة وتحديداً الهيدروجين الأخضر الذي يمثل رهاناً أوروبياً وجودياً، والتكنولوجيا، وصناعات القطار فائق السرعة والبنية التحتية، مما سيُعزز الشراكة الصناعية ويُوجِد نسيجاً اقتصادياً متشابكاً يجعل من التعاون ضرورة بنيوية لا خياراً ظرفياً.
والمحور الإفريقي هو ربما أكثر هذه المحاور استراتيجيةً وإثارة للاهتمام، إذ تجد فرنسا التي تراجع حضورها في غرب إفريقيا وساحلها تراجعاً حاداً في السنوات الأخيرة نفسَها أمام فرصة تاريخية لاستعادة موطئ قدم في القارة عبر “البوابة المغربية” التي فتحها المغرب بعودته إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017 وتوطيده لعلاقاته مع الدول الإفريقية عبر استثمارات بنكية وصناعية وتنموية منتشرة في كل القارة. والمبادرة الأطلسية الملكية الرامية إلى تعزيز الاندماج الإقليمي ووصل الدول الحبيسة بالمحيط الأطلسي تُمثّل بُعداً جيوسياسياً إضافياً يمنح فرنسا إطاراً مناسباً للعودة إلى إفريقيا بوجه جديد بعيداً عن صورة الماضي الاستعماري الذي لا يزال يُثقل حضورها في أذهان الشعوب الإفريقية، وذلك من خلال الانخراط في شراكة مغربية محورها التنمية لا الهيمنة.
في المحصلة، ما تُجسّده الشراكة المغربية الفرنسية في مرحلتها الجديدة هذه إنجاز دبلوماسي مغربي بامتياز، ثمرة رؤية استراتيجية طويلة النفس آثرت أن تبني علاقاتها الدولية على الثوابت الوطنية والمصالح الحقيقية لا على الحسابات المرحلية الضيقة. المغرب الذي صبر ولم يُبادر إلى تقديم تنازلات، والذي تنوّع شراكاته من واشنطن إلى بكين ومن الرياض إلى نيروبي حتى صار الجميع يسعى إلى كسب وُدّه لا العكس، يحصد اليوم ما زرعه بصبر وبصيرة. وفرنسا التي عادت بموقف أوضح وأرسخ تُعيد بناء حضورها الاستراتيجي بطريقة أكثر توازناً وفائدة. وبين الطرفين، تقوم معادلة نادرة في عالم السياسة الدولية: معادلة الرابح الرابح التي لا تقوم على إملاءات طرف أو تنازلات آخر، بل على شراكة حرّة واعية تُعيد رسم توازنات المنطقة المتوسطية والإفريقية لعقود مقبلة.


