
وجدة المغربية… إضاءات على مدينة الألف عام وبوابة الشرق وحاضنة الثورة الجزائرية
اعداد د. عياد جلول
في أقصى شرق المملكة المغربية، وعلى مقربة من الحدود المغربية الجزائرية، تنتصب مدينة وجدة شامخة بتاريخها العريق وتراثها الأصيل وموقعها الاستراتيجي الذي جعل منها على مر القرون بوابة المغرب الشرقية وملتقى للحضارات والثقافات. فهي ليست مجرد عاصمة لجهة الشرق، بل مدينة تختزن أكثر من ألف سنة من التاريخ، وتجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر، وبين التراث العمراني والإشعاع الثقافي والدور الوطني الذي لعبته في محطات مفصلية من تاريخ المنطقة المغاربية.
وعلى الرغم من التحولات التي شهدها المغرب عبر العصور، احتفظت وجدة بمكانتها كإحدى أهم الحواضر المغربية، وظلت رمزًا للانفتاح والتعايش، ومركزًا للتجارة والعلم والثقافة. وفيما يلي مجموعة من الإضاءات التي تقرب القارئ من هذه المدينة العريقة.

مدينة يتجاوز عمرها ألف عام
يعود تأسيس مدينة وجدة إلى سنة 994م عندما أنشأها الأمير الزناتي زيري بن عطية، أحد أبرز قادة قبائل زناتة، الذي أدرك أهمية موقعها الجغرافي فاختارها لتكون مركزًا تجاريًا وعسكريًا يربط المغرب بالمغرب الأوسط. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت المدينة محطة رئيسية للقوافل التجارية القادمة من فاس وسجلماسة وتلمسان، وتحولت إلى نقطة التقاء للتجار والعلماء والرحالة.
وتعاقبت على المدينة دول كبرى، من المرابطين والموحدين إلى المرينيين والسعديين ثم الدولة العلوية، التي أولتها عناية خاصة لما تمثله من أهمية استراتيجية في حماية الحدود الشرقية للمملكة. وخلال هذه المراحل التاريخية شهدت وجدة توسعات عمرانية متواصلة، وبُنيت أسوارها وأبوابها ومساجدها وأسواقها، لتتحول إلى واحدة من أبرز المدن المغربية.
موقع استراتيجي صنع تاريخ المدينة
تميزت وجدة منذ نشأتها بموقع جغرافي فريد، فهي تقع على مفترق طرق يربط شمال المغرب بجنوبه، كما تشكل حلقة وصل بين المغرب وعمقه المغاربي. ويقع البحر الأبيض المتوسط على مسافة قصيرة منها، فيما لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن الحدود المغربية الجزائرية، وهو ما منحها مكانة اقتصادية وسياسية خاصة.
ولم يكن هذا الموقع مجرد ميزة جغرافية، بل جعل من المدينة مركزًا للتبادل التجاري والثقافي، ومجالًا لتفاعل الحضارات، ومسرحًا لأحداث تاريخية كبرى أثرت في مسار المنطقة بأكملها.

مجتمع متنوع وهوية مغربية أصيلة
يعيش في وجدة اليوم مئات الآلاف من السكان الذين ينتمون إلى مختلف مناطق المغرب، مما منح المدينة تنوعًا اجتماعيًا وثقافيًا مميزًا. ورغم هذا التنوع، حافظت وجدة على هويتها المغربية الأصيلة التي تمتزج فيها المكونات العربية والأمازيغية والأندلسية في لوحة ثقافية متجانسة.
ويعرف سكان المدينة بحسن الاستقبال والكرم والانفتاح، وهي قيم راسخة في الثقافة المغربية، كما تشكل الحياة الأسرية والتضامن الاجتماعي أحد أبرز ملامح المجتمع الوجدي.
عادات وتقاليد حافظت على أصالتها
لا تزال وجدة تحتفظ بكثير من عاداتها الاجتماعية التي توارثتها الأجيال. ففي المناسبات الدينية كشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، تتجلى روح التكافل وصلة الرحم، بينما تتميز الأعراس الوجدية بطقوسها التقليدية وأزيائها المغربية الأصيلة وموسيقاها الخاصة.
ويشتهر المطبخ الوجدي بأطباق متنوعة تجمع بين النكهة المغربية والتأثيرات الأندلسية، ومن أشهرها الكسكس والطاجين والرفيسة والبسطيلة، إضافة إلى الحلويات التقليدية التي تحضر في المناسبات والأعياد.

معالم تاريخية تنطق بعبق الماضي
تزخر وجدة بمعالم تاريخية تعكس عراقة المدينة، وفي مقدمتها المدينة العتيقة التي لا تزال تحتفظ بأزقتها الضيقة وأسواقها التقليدية، وباب سيدي عبد الوهاب الذي يعد أشهر أبوابها التاريخية، إضافة إلى الجامع الكبير الذي يمثل أحد أهم المعالم الدينية بالمدينة.
كما تضم وجدة دار السبتي التي تحولت إلى فضاء ثقافي يحتضن معارض فنية وأنشطة تراثية، وحديقة للا عائشة التي تعد متنفسًا طبيعيًا لسكان المدينة وزوارها، فضلاً عن الساحات العمومية والأسواق التقليدية التي تمنح المدينة طابعها الأصيل.
مدينة للعلم والثقافة
لم تقتصر مكانة وجدة على التاريخ والتجارة، بل أصبحت أيضًا مركزًا جامعيًا وعلميًا مهمًا بفضل جامعة محمد الأول التي تستقطب آلاف الطلبة من مختلف جهات المغرب وعدد من الدول الإفريقية.
كما تشتهر المدينة بإرثها الثقافي الغني، وتعد الموسيقى الغرناطية أحد أبرز رموزها الفنية، إلى جانب مساهمتها في انتشار فن الراي المغربي الذي وجد في وجدة فضاءً مناسبًا للتطور
التراث الوجدي بين الأصالة والتجديد
يتميز التراث الوجدي بتنوعه الكبير، فهو يشمل العمارة التقليدية، والأسواق القديمة، والحرف اليدوية، والصناعات التقليدية، والأزياء المغربية، إلى جانب فنون الطبخ والموسيقى. وقد حافظت المدينة على هذا التراث رغم مظاهر التحديث التي عرفتها، مما جعلها نموذجًا للتوازن بين المحافظة على الهوية والانفتاح على العصر.
كما يحرص سكان وجدة على نقل هذا الإرث الثقافي إلى الأجيال الجديدة، سواء من خلال الجمعيات الثقافية أو المهرجانات أو المؤسسات التعليمية.

وجدة وحاضنة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي
تحتل وجدة مكانة خاصة في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية، إذ ارتبط اسمها بإحدى أهم صفحات الكفاح المغاربي ضد الاستعمار الفرنسي. فمنذ اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1954، تحولت المدينة، بحكم موقعها الحدودي، إلى فضاء لاستقبال المناضلين الجزائريين، ومركز لعبور المجاهدين، وقاعدة للدعم اللوجستي والإنساني الذي قدمه المغرب للمقاومة الجزائرية.
وقد فتحت المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد الخامس، أراضيها أمام قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، ووفرت للمقاومين التسهيلات الممكنة، كما استقبلت وجدة آلاف اللاجئين الجزائريين الذين فروا من بطش الاستعمار الفرنسي. وأصبحت المدينة أحد أبرز رموز التضامن المغاربي، حيث امتزجت فيها قيم الأخوة والجوار مع مبادئ التحرر والاستقلال.
ويظل هذا الدور التاريخي شاهدًا على إيمان المغرب بأن استقلال الجزائر كان جزءًا من معركة تحرير المغرب الكبير، وهو ما منح وجدة مكانة خاصة في ذاكرة الشعبين المغربي والجزائري.
عندما دعم المغاربة بقوة ثورة “الستة رجال” في بلد “المليون شهيد”

وجدة مدينة تتطلع إلى المستقبل
اليوم، تمثل وجدة إحدى أهم المدن المغربية التي تشهد تحولًا تنمويًا متسارعًا، بفضل المشاريع التي عرفتها جهة الشرق في مجالات البنية التحتية، والتعليم العالي، والصناعة، والطاقات المتجددة، والخدمات.
كما تستفيد المدينة من شبكة طرق حديثة، وربط سككي ومطار دولي، ما يعزز مكانتها كبوابة اقتصادية نحو شرق المملكة. وتنسجم هذه الدينامية مع الرؤية الملكية الرامية إلى جعل جهة الشرق قطبًا للتنمية والاستثمار، بما يرسخ دور وجدة كحلقة وصل بين المغرب وعمقه المغاربي والإفريقي.

خاتمة
وجدة ليست مجرد مدينة حدودية أو عاصمة إدارية لجهة الشرق، بل هي ذاكرة حية تختزل أكثر من ألف عام من التاريخ المغربي. فمن أسوارها العتيقة وأسواقها التقليدية، إلى جامعتها الحديثة ومشاريعها التنموية، ومن تراثها الثقافي الغني إلى دورها في احتضان الثورة الجزائرية، تقدم وجدة نموذجًا لمدينة استطاعت أن تحافظ على أصالتها وهي تتجه بثقة نحو المستقبل. إنها مدينة تجمع بين عبق التاريخ وحيوية الحاضر، وتظل إحدى الجواهر الحضارية للمملكة المغربية، ورمزًا من رموز الانتماء الوطني والتضامن المغاربي.
وكما قال الشاعر الشعبي الراحل سليمان الترهوني مطلع قصيدته الزجلية الجميلة عن مدينة وجدة ۔
وجدة سجدة المفرح سجدة
عادت للربيع أوراق
فاض الوجد من وجدة
عادت لمة الفرسان
عادت خيمة الفرسان




