
“صراع التأويلات”… حين يصبح التاريخ معركة على الوعي (قراءة في كتاب الدكتور عبد الله بوصوف)
بقلم الكاتب يوسف حجي
ليست الكتب المهمة تلك التي تمنح القارئ أجوبة جاهزة، وإنما تلك التي توقظ فيه الأسئلة، وتدفعه إلى إعادة النظر في المسلمات التي ترسخت في وعيه بفعل التكرار. ومن هذا النوع يأتي كتاب «صراع التأويلات» للدكتور عبد الله بوصوف، الصادر عن رواق للنشر والتوزيع بالقاهرة سنة 2026، وهو عمل فكري مكثف، لا يقاس بعدد صفحاته، بل بثراء الأفكار التي يثيرها، وبالأسئلة التي يتركها مفتوحة أمام القارئ.
فمنذ الصفحة الأولى يدرك القارئ أنه ليس أمام سرد تاريخي تقليدي، ولا أمام دراسة أكاديمية جافة، بل أمام مشروع فكري يسعى إلى مساءلة العلاقة بين التاريخ والذاكرة، وبين الحقيقة والتأويل، وبين الشرق والغرب، بعيدًا عن الثنائيات الجامدة والأحكام المسبقة.
لقد أدرك الدكتور عبد الله بوصوف، وهو الباحث الذي كرّس جانبًا مهمًا من مشروعه العلمي لقضايا الهجرة والهوية والتعدد الثقافي، أن معركة العصر لم تعد تدور حول احتلال الأرض فقط، بل حول احتلال الوعي أيضًا. فالأمم لا تُهزم حين تخسر حربًا، وإنما حين تفقد قدرتها على قراءة تاريخها بعقل نقدي، وتكتفي بترديد ما كتبه الآخر عنها.
ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب، الذي يفتح ملفًا بالغ الحساسية، هو ملف التأويل؛ ذلك الفضاء الذي تتحول فيه الوقائع إلى روايات، والروايات إلى قناعات، والقناعات إلى سياسات وثقافات وصور ذهنية قد تستمر قرونًا.
لا يبحث المؤلف عن إدانة طرف أو تبرئة آخر، بل يدعو إلى تحرير التاريخ من القراءات الأحادية، وإلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي بوصفه المدخل الحقيقي لفهم الذات والآخر معًا. فليس كل ما كُتب حقيقة، وليس كل ما استقر في الذاكرة الجماعية معصومًا من المراجعة.
ويأخذنا الكتاب إلى لحظات مفصلية من تاريخ النهضة العربية، حيث يستحضر شخصية المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي، الذي لم يكن مجرد شاهد على الحملة الفرنسية على مصر، بل كان ضميرًا تاريخيًا سجل تفاصيل تلك المرحلة بعين ناقدة، بعيدًا عن الانبهار الأعمى أو الرفض المطلق. ومن خلال الجبرتي، يعيد المؤلف طرح سؤال ما زال حاضرًا حتى اليوم: هل جاءت حملة نابليون مشروعًا للتنوير، أم مشروعًا للهيمنة اتخذ من المعرفة إحدى أدواته؟
كما يسلط الضوء على العالم الجليل الشيخ حسن العطار، المصري ذي الأصول المغربية، الذي مثّل أحد أبرز وجوه النهضة العربية، وآمن بأن الانفتاح على علوم العصر لا يتناقض مع الحفاظ على الهوية الحضارية. لقد أدرك العطار، في وقت مبكر، أن الأمم لا تنهض باستنساخ تجارب الآخرين، وإنما بقدرتها على استيعابها وإعادة إنتاجها بما ينسجم مع خصوصيتها.
ويمضي الكتاب إلى آفاق أوسع، فيستحضر أفكار أنور عبد الملك وإدوارد سعيد، باعتبارهما من أبرز من كشفوا العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة، وكيف أسهمت بعض الكتابات الاستشراقية في تشكيل صورة نمطية عن الشرق، لم تكن دائمًا بريئة أو محايدة، بل ارتبطت في كثير من الأحيان بالمشاريع الاستعمارية وآليات الهيمنة الثقافية.
غير أن أجمل ما في هذا العمل أنه لا يقع في فخ الخطاب المضاد. فهو لا يستبدل مركزية غربية بمركزية شرقية، ولا يدعو إلى الانغلاق باسم الهوية، ولا إلى الذوبان باسم الحداثة، بل يدافع عن المعرفة بوصفها حوارًا بين الحضارات، لا صراعًا بينها. ولذلك فإن الكتاب يرفض الصور الجاهزة، سواء تلك التي رسمها الغرب عن الشرق، أو تلك التي رسمها الشرق عن الغرب، لأن كلا الطرفين لا يستطيع أن يفهم الآخر من خلال القوالب المسبقة.
وفي تقديري، فإن هذا هو جوهر الرسالة التي يريد الدكتور عبد الله بوصوف إيصالها: أن أزمة عالمنا ليست نقصًا في المعلومات، بل فائضًا في التأويلات، وأن أخطر أشكال الجهل هو الاعتقاد بأننا نمتلك الحقيقة كاملة.
ويكتسب الكتاب أهمية خاصة في زمن تتسارع فيه وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في إنتاج السرديات وصناعة الرأي العام. فالحروب اليوم لا تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل في الفضاءات الإعلامية، وفي الكتب، والجامعات، ومراكز البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي. ومن يمتلك القدرة على إنتاج الرواية يمتلك، إلى حد بعيد، القدرة على توجيه الوعي الجمعي.
ولعل القيمة الكبرى لهذا الكتاب أنه يذكرنا بأن النهضة العربية لم تكن مجرد استيراد للمعرفة الأوروبية، بل كانت أيضًا ثمرة اجتهاد مفكرين وعلماء عرب ومسلمين سعوا إلى فهم العالم بعقول مفتوحة، دون أن يتخلوا عن جذورهم الحضارية. وهي رسالة يحتاجها الجيل الجديد، الذي يعيش وسط سيل من المعلومات، لكنه في حاجة أكبر إلى أدوات نقدها وتحليلها.
ورغم أن الكتاب لا يتجاوز 130 صفحة، فإنه يختزن مشروعًا فكريًا متماسكًا، ويقدم نموذجًا للكتابة التي تجمع بين العمق والوضوح، وبين الرصانة الأكاديمية وجمال الأسلوب. إنه من الكتب التي لا تُقرأ مرة واحدة، لأن كل قراءة تفتح بابًا جديدًا للتأمل.
لقد نجح الدكتور عبد الله بوصوف في تحويل التاريخ من مادة للحفظ إلى فضاء للتفكير، ومن أرشيف للماضي إلى أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وهذا، في تقديري، هو الإنجاز الحقيقي للكتاب.
إن «صراع التأويلات» ليس كتابًا عن التاريخ فحسب، بل هو كتاب عن الحرية الفكرية؛ حرية السؤال، وحرية الشك المنهجي، وحرية إعادة قراءة الماضي بعيدًا عن الوصاية الفكرية. وهو دعوة إلى بناء وعي عربي أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على الحوار مع العالم، دون عقدة تفوق أو عقدة نقص.
في زمن تتنافس فيه الأمم على امتلاك السردية قبل امتلاك القوة، يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: من لا يكتب تاريخه، سيجد نفسه يعيش داخل تاريخ كتبه الآخرون.



