اتفاقية مكة الدفاعية: أربعة أسئلة في انتظار الاختبار
حين تكون الثغرات في التحالف أكثر كشفاً من نصوصه!
حين أُعلن عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية، تصدّرت التغطيات التحليلية سؤالاً واحداً: ما دلالة هذا الحلف الجديد؟ لكن السؤال الأكثر أهمية، والأقل تداولاً، هو: ما الذي لا تجيب عنه الاتفاقية؟ كل تحالف دفاعي يمكن الحكم عليه من خلال الثغرات التي يتركها قبل أن يُختبر، لا من خلال نصوصه حين تُوقَّع. تُقدّم هذه القراءة أربعة أسئلة معلّقة يطرحها هيكل الاتفاقية، وتحاول تفكيكها، لا لتقليل شأن ما أُنجز، بل لاستشراف ما ينتظر هذا التحالف أمام الاختبار الفعلي.
السؤال الأول: هل البند الدفاعي قابل للتفعيل، أم هو ردع نفسي بالأساس؟
أُعلن عن “مبدأ الدفاع الجماعي” في قلب اتفاقية مكة، وصُوِّر كترجمة إقليمية للمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو: الاعتداء على واحدة اعتداء على الجميع. وهذه صياغة ذات ثقل رمزي بلا شك، لكن التفاصيل التي تليها مباشرةً- “آليات تشاورية لتحديد طبيعة الاستجابة وحجمها”- تُخفف هذه الأتوماتيكية جوهرياً. فالردع الفعّال يشترط أن يُصدِّق عليه الخصم، لا أن يُصدِّق عليه فقط الأطراف الموقِّعة.
حين نتأمل البنية التشغيلية للحلف الثلاثي نجد عقبات هيكلية حقيقية: تركيا عضو في الناتو، وأي أزمة كبرى ستضعها أمام التزامين قد يتعارضان. السعودية لا تمتلك تقليداً راسخاً في نشر قوات خارج حدودها بعد التجربة اليمنية المُكلفة. وباكستان تشترط دستورياً موافقةً برلمانية لنشر قواتها خارجاً. يعني ذلك أن تفعيل البند في سيناريو أزمة حادة يستلزم تجاوز ثلاثة مسارات سياسية وقانونية ومؤسسية في آنٍ واحد، وهذا ما يجعل عبارة “الآليات التشاورية” تبدو، في ضوء صارم، تأجيلاً مُقنَّناً لا آليةَ تفعيل.
غير أن الردع النفسي ليس وهماً؛ هو في صميم المنطق الاستراتيجي الكلاسيكي، يكفي أن يجعل أي طرف محتمل يعيد حساباته مرتين.
عضوية تركيا في الناتو تُضيف طبقة غموض استراتيجي مدروسة: أي هجوم على طرف ثلاثي الحلف يصبح مُحفوفاً بمخاطر تمتد إلى ما هو أبعد من ثلاث دول. والحكم الأنسب من هنا هو أن اتفاقية مكة تعمل كـ”تأمين استراتيجي” لا كـ”جيش مشترك”. قيمتها في زمن الهدوء والتوازن أكبر مما ستكون عليه لحظة الاختبار الحقيقي، وهذه في حد ذاتها معادلة محفوفة بمخاطر صامتة.
السؤال الثاني: من العدو، وماذا يعني أن يبقى هذا السؤال بلا جواب؟
لم تُحدِّد اتفاقية مكة عدواً بالاسم. وهذا في الظاهر مرونة دبلوماسية مقصودة، لكنه في العمق يكشف عن تناقض بنيوي: ثلاث دول تقرأ التهديد من نوافذ مختلفة تماماً.
السعودية تقرأ الحلف باعتباره درعاً في مواجهة التمدد الإيراني وذراعيه الإقليميين، لا سيما بعد اعتداءات أرامكو عام 2019 التي كشفت هشاشة العمق الأمني السعودي أمام ضربات دقيقة. تركيا تقرأه من نافذة مختلفة جوهرياً: إعادة تموضع كقوة إسلامية رائدة في مرحلة ما بعد غزة، وتحجيم النفوذ الإسرائيلي في الفضاء الإقليمي. أما باكستان، فهدفها أكثر وضوحاً: تأمين ظهرها الاستراتيجي في مواجهة الهند في ملف كشمير والحدود الملتهبة دوماً.
هذا الغموض ليس خللاً في الصياغة، هو الغراء الدبلوماسي الوحيد الذي أتاح الجمع بين ثلاث رؤى أمنية متباينة تحت سقف واحد. لكنه في الوقت ذاته أخطر نقطة ضعف في الحلف: حين يأتي الاختبار الحقيقي، ستطالب كل دولة الأخريين بخدمة عدوّها هي لا عدوّهم. وهذه المعضلة بعينها هي ما فكَّكت تحالفات أكثر متانةً في صفحات التاريخ. السؤال ليس إن كان هذا الاختبار سيأتي، بل متى، وعلى أي جبهة.
السؤال الثالث: ما الثمن الحقيقي الذي سيدفعه كل طرف، وما الذي ينتظره في المقابل؟
لا يوجد حلف مجاني، وفهم ما دفعه كل طرف أكثر كاشفاً مما وقَّعه.
السعودية دفعت ثمناً دبلوماسياً غير مُعلَن: أجَّلت مسار التطبيع مع إسرائيل الذي كان يتشكّل قبل أكتوبر 2023، واحتكَّت بالإمارات التي ترى في هذا الحلف تعزيزاً للقيادة السعودية على حسابها، وقبلت بعض ملامح الخطاب الأردوغاني الإسلامي الذي لا يتسق دائماً مع مشروع التحديث الداخلي. في المقابل، تنتظر الرياض مظلةً أمنية ذاتية مستقلة عن الضمانات الأمريكية المتذبذبة، وهذا تحوّل جيوسياسي بالغ الدلالة، يُعيد رسم طبيعة العلاقة مع واشنطن من الضمان إلى الشراكة التفاوضية.
تركيا بدورها قبلت توترات إضافية مع حلفائها في الناتو، وفرَّطت في بعض علاقاتها التجارية مع الهند. لكنها تنتظر تمويلاً خليجياً لصناعاتها الدفاعية الصاعدة، ومشترياتٍ سعودية لمنظومة الطائرات المسيَّرة وأنظمة الرقابة، إضافةً إلى شرعية قيادية في العالم الإسلامي لا يمنحها إياها الناتو ولا الاتحاد الأوروبي.
باكستان دفعت الثمن الأعلى نسبةً إلى قدرتها، لكنها تنتظر ما كانت تسعى إليه منذ عقود: ضمانة أمنية جماعية لا تستطيع القنبلة النووية وحدها توفيرها. باكستان كذلك قبلت مزيداً من التوتر مع إيران في لحظة حرجة تتقاطع فيها إشكاليات الحدود مع التجاذبات الطائفية وملف بلوشستان، وأغاظت واشنطن في وقت تحتاج فيه دعم صندوق النقد الدولي. لكنها تنتظر الضمانة الأمنية الجماعية في مواجهة الهند، إضافةً إلى دعم مالي سعودي وتقنية عسكرية تركية تُنوِّع بها اعتمادها على بكين.
التناقض الجوهري في هذه المعادلة: السعودية الأقوى اقتصادياً تموّل وتنتظر الأمن، وباكستان الأضعف تُقدّم العضلات وتنتظر الحماية، وتركيا في المنتصف تُقدّم التقنية وتنتظر الشرعية. هذا التوزيع قابل للاستدامة في زمن الهدوء، لكنه يُولِّد أسئلة غير محسومة عن “من يخدم مَن” حين تقترب الأزمة الحقيقية.
السؤال الرابع: هل في اتفاقية مكة بذرة “ناتو إسلامي”، أم أن الوصف أكبر من المحتوى؟
الوصف الأكثر تداولاً في الكتابات التحليلية المحيطة باتفاقية مكة هو توصيفها بـ”الناتو الإسلامي المُرتقَب”. والوصف مُغرٍ بلاغياً، لكنه يستحق التمحيص الجاد قبل أن يُستعمل كأداة تحليلية.
الناتو لم يكن حلفاً دينياً قط، كان حلفاً أيديولوجياً وجيوسياسياً بُني حول تهديد مُحدَّد ومُعلَن، ودام عقوداً لبناء بنية مؤسسية صلبة تضم هيئات قيادة موحَّدة وميزانية دفاعية مشتركة وتدريبات مندمجة ومعايير تشغيلية واحدة. لا شيء من هذا متوفر حتى الآن في اتفاقية مكة، ولم تُشر الوثيقة إلى أُطر مشابهة في أفقها الزمني المنظور.
والأهم من ذلك: الناتو جمع دولاً تتشارك تصوراً واحداً للتهديد وعدواً واحداً بعينه. اتفاقية مكة، كما رأينا في السؤال الثاني، تجمع دولاً تختلف في تعريف عدوّها المُدرَك من داخل المنظومة ذاتها. و”ناتو إسلامي” يُفترض فيه أن تجمعه رابطة العقيدة بديلاً عن الرابطة الجيوسياسية، وهذا تحديداً ما يجعله أهشَّ لا أمتن؛ إذ ما يجمع ثلاث دول مسلمة دبلوماسياً لا يكفي بالضرورة لجمعها عسكرياً حين تتصادم مصالحها الأمنية الخاصة.
غير أن الوصف يحمل قيمةً تشخيصية من نوع مختلف: يُشير إلى أن ثمة فراغاً هيكلياً حقيقياً في منظومة الأمن الإقليمي لم تستطع سدَّه الهياكل القائمة، لا جامعة الدول العربية ولا منظمة التعاون الإسلامي ولا ترتيبات الأمن الخليجي الراهنة. واتفاقية مكة محاولة جدية لملء هذا الفراغ. الفارق الجوهري أن الناتو بُني تدريجياً على مدى عقود من التفاعل، بينما يُراد لمكة أن تكون ناتو في وثيقة واحدة.
الجواب إذن: اتفاقية مكة ليست ناتو إسلامياً، لكنها قد تكون مسودته الأولى، إن توافرت الإرادة السياسية لبناء ما لا تستطيع الوثائق بناءه وحدها: الثقة الاستراتيجية المتبادلة عبر الزمن والاختبارات المتراكمة.
ما يميّز التحالفات الصامدة عن تلك التي تتفكك تحت الضغط ليس حجم نصوصها ولا بلاغة إعلانها، بل شيء واحد: اتساق تصوُّر الخطر بين أطرافها. اتفاقية مكة أجابت عن سؤال كيف يبدو التحالف، لكنها تركت أسئلة: ماذا وضد مَن وبأي ثمن، وإلى أي مدى يطمح معلّقةً.
الاختبار الحقيقي لن يكون في القمم ولا في البيانات، بل في اللحظة التي تتصادم فيها مصالح الأطراف الثلاثة مع التزاماتهم المكتوبة. ومن ذلك اليوم، لا من يوم التوقيع، تبدأ القراءة الحقيقية لاتفاقية مكة.




