
الانتخابات التشريعية المغربية.. خريطة رقمية لأبرز الرابحين والخاسرين
رسمت وزارة الداخلية المغربية، فجر الأربعاء 24 شتنبر 2026، خريطة برلمانية جديدة لمقاعد مجلس النواب الـ 395، بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع. لأول وهلة تبدو الخريطة انقلابا كاملا على المشهد الذي أفرزته انتخابات 2021: حزب يتصدر الترتيب لأول مرة، حزب آخر يستعيد الحياة بعد خمس سنوات من الاحتضار، وثلاثي حاكم يتفكك من الداخل. لكن قراءة متأنية للأرقام تكشف أن ما يبدو زلزالا حزبيا لم يحرم الأغلبية الحالية أغلبيتها العددية، فيما الحدث الأكثر دلالة يجري خارج الخريطة كليا، في فراغ لا يظهر على أي رسم بياني.
من بين ثلاثة عشر تشكيلا ظهرت في الرسم البياني المعتمد، وتقاسمت المقاعد ال 395 التي يضمها مجلس النواب، برز ثلاثة رابحين بدرجات متفاوتة الوضوح، وأربعة خاسرين بدرجات متفاوتة الحدة، فيما حافظت أحزاب أخرى على مواقعها شبه ثابتة. حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر لأول مرة بـ 97 مقعدا مقابل 87 في الولاية السابقة، وحزب العدالة والتنمية يقفز من 13 إلى 54 مقعدا في أكبر انتعاش نسبي شهدته الخريطة، فيما يضيف “تحالف اليسار” ستة مقاعد ليرتفع من اثنين إلى ثمانية. في المقابل، يتصدر التجمع الوطني للأحرار قائمة الخاسرين بفارق 36 مقعدا “من 102 إلى 66″، يليه حزب الاستقلال بفارق 16 مقعدا “من 81 إلى 65″، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بفارق 8 مقاعد “من 34 إلى 26″، وبدرجة أقل حزب التقدم والاشتراكية بفارق 3 مقاعد “من 22 إلى 19”.

عودة العدالة والتنمية هي بلا منازع أبرز عناوين هذا الاستحقاق. فالحزب الذي انهار من 125 مقعدا عام 2016 إلى 13 مقعدا فقط عام 2021، في واحدة من أعنف الهزائم الانتخابية التي عرفها حزب حاكم في المنطقة، يعود اليوم إلى الصف الرابع بأربعة أضعاف تمثيله السابق تقريبا، وإن كان لا يزال بعيدا عن ذروته التاريخية. واللافت أن صافي ما خسرته الكتلة الحاكمة السابقة مجتمعة، أي الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة، يبلغ 42 مقعدا بعد احتساب مكسب الأصالة والمعاصرة (10 مقاعد) داخل الكتلة نفسها، وهو رقم يقترب بشكل لافت من الـ 41 مقعدا التي أضافها العدالة والتنمية. قد لا يكون هذا التقارب أكثر من مصادفة حسابية على المستوى الوطني، فالمقاعد تُحسم دائرة بدائرة لا كتلة واحدة، لكنه يبقى مؤشرا عرضيا يستحق التسجيل قبل أن يُفهم كدليل قاطع على انتقال مباشر للأصوات.
صعود الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة يحمل قرائن أوضح نسبيا على وجهته. فالحزب خاض المنافسة الأشد مباشرة مع التجمع الوطني للأحرار طوال الحملة الانتخابية، وضم إلى مكتبه السياسي قبيل الاقتراع بأسابيع قليلة أسماء وازنة أبرزها فوزي لقجع، القادم من محيط غير بعيد عن الأحرار نفسه، إلى جانب عدد من المنتخبين المحليين الذين بدلوا لافتاتهم في ما يُعرف محليا بـ”الترحال السياسي”. هذا لا يجعل من الجزم التام بأن كل مقاعد الأصالة والمعاصرة العشرة أتت من الأحرار قراءة موثقة بالكامل، لكنه يمنحها ترجيحا أقوى بكثير من أي افتراض مماثل حول وجهة بقية مقاعد الأحرار والاستقلال، التي يبدو أنها تناثرت بين مختلف الأحزاب، لاسيما العدالة والتنمية أساسا وأحزاب صغيرة جديدة.
أما على يسار الخريطة، فالمشهد أكثر تشظيا. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية يواصلان انحدارا تراكميا يمتد لعقدين، بينما لا يبدو أن “تحالف اليسار” استوعب هذا التراجع بالكامل رغم مكسبه الملحوظ نسبيا، إذ ظهرت إلى جانبه تشكيلات صغيرة جديدة، حزب الإنصاف والديمقراطيون الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية، حصل كل منها على مقعد يتيم، أقرب إلى انتخابات شخصية متفرقة منها إلى تبلور قوة يسارية موحدة. الحركة الشعبية من جهتها حافظت على استقرار نسبي بمقعد إضافي واحد فقط، فيما خسر الاتحاد الدستوري مقعدا يتيما أيضا في تبادل محدود الأثر.
غير أن الخريطة الحزبية، بألوانها وأسهمها الصاعدة والهابطة، تُخفي أكثر مما تكشف. فالمشاركة في هذا الاستحقاق لم تتجاوز 38 في المائة، أي أن قرابة 62 في المائة من المسجلين لم يقصدوا صناديق الاقتراع أصلا، في واحدة من أضعف نسب المشاركة في تاريخ الانتخابات التشريعية بالمغرب. والأخطر من نسبة الامتناع نفسها هو تقلص الكتلة الناخبة المسجلة، التي انخفضت من 17.98 مليون مسجل عام 2021 إلى 15.8 مليون فقط قبيل اقتراع 2026، أي عزوف قرابة ثلاثة ملايين مغربي عن التسجيل في اللوائح الانتخابية خلال خمس سنوات فقط، دون أن يُحتسبوا أصلا ضمن نسبة الامتناع المعلنة.
والفجوة الجيلية تزيد المشهد قتامة، فالفئة العمرية بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى 4 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين، في بلد يقترب فيه عدد من هم فوق سن 18 من 21 مليون نسمة. بمعنى أن غير المسجلين اليوم يناهزون خمسة ملايين مغربي، وأن ما يقارب 3 ملايين منهم ظلوا خارج اللوائح الانتخابية في الاستحقاقين معا، 2021 و2026، من دون أن تُسجل أسماؤهم ولو مرة واحدة.
على صعيد تشكيل الحكومة المقبلة، يبرز تساؤل مشروع يتصدر المشهد المغربي خلال الأيام المقبلة: هل سنشهد عودة الثلاثي نفسه، الأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال، إلى الائتلاف الحاكم مجتمعا بمجموع 228 مقعدا تمنحه أغلبية مريحة، مع تغير أساسي واحد هو ترتيب القيادة داخل هذا الثلاثي، أم أن اللهجة الهادئة بين بنكيران ولقجع ستقود إلى خروج الأحرار ودخول العدالة والتنمية مكانه في الحكومة المقبلة، وهو ما يحافظ على الأغلبية المريحة في مجلس النواب القادم؟ كلا السيناريوهين يملك من يدافع عنهما لأسباب معتبرة، لكن الحسم ينتظر الاسم الذي سيكلفه جلالة الملك بتشكيل الحكومة المقبلة من قيادات الأصالة والمعاصرة، وموقف العدالة والتنمية من المشاركة في هذه الحكومة
تبقى الخريطة الرقمية التي أعلنتها الداخلية فجر الأربعاء مبهرة بألوانها وأسهمها المتقاطعة، لكنها أشبه بخريطة جغرافية لونتها ألوان الأحزاب الفائزة والخاسرة، وتُركت فيها مساحة بيضاء واسعة يتموقع فيها قرابة خمس سكان البلاد. تلك المساحة البيضاء، لا مقاعد الأحرار ولا مقاعد الاستقلال، هي من يبدو الخاسر الحقيقي في انتخابات 2026، والرهان هو على قدرة الحكومة المقبلة على إحداث نقلة في واقع المواطنين المغاربة بطريقة تقلص من حجم العزوف الانتخابي في 2031، واستعادة الثقة بالعمل السياسي على اختلاف ألوان مكوناته.



