منبر الرأيمختارات

الصدام المحسوب بين الولايات المتحدة وإيران: إلى أي مدى كُسر نمط العداء وأُرسي نظام ردع متبادل مستقر؟

فكرة أن الصراع الطويل يمكن أن يُكسر عبر “صدمة محسوبة” ليست جديدة في التاريخ السياسي، لكنها تظل من أكثر الأفكار حساسية وتعقيدًا، لأنها تقف دائمًا على الحد الفاصل بين إعادة تشكيل النظام الإقليمي وبين الانزلاق إلى فوضى أوسع. في حالة التوتر المزمن بين الولايات المتحدة وإيران، نحن أمام نموذج ممتد من “إدارة الصراع” بدل حسمه: عقود من الردع غير المباشر، وحروب بالوكالة، ومواجهات غير معلنة، وخطوط حمراء ضبابية تُختبر باستمرار دون أن تُكسر بشكل كامل.

هذا النمط لم يكن نتاج ضعف، بل نتيجة حسابات استراتيجية دقيقة. فمواجهة دولة بحجم إيران، بعمقها الجغرافي والديموغرافي، وبشبكة علاقاتها الإقليمية، وبقدرتها على الرد غير المتكافئ عبر ساحات متعددة، جعلت أي تفكير في حرب شاملة خيارًا مكلفًا للغاية. لذلك فضّلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة سياسة تقوم على الاحتواء والردع، مع إبقاء الصراع ضمن مستوى منخفض نسبيًا من التصعيد، عبر أدوات اقتصادية وعسكرية غير مباشرة، وحروب بالوكالة، وإدارة دائمة للتوتر دون الوصول إلى نقطة الانفجار.

لكن هذا “اللاحسم” نفسه لا يخلو من تكلفة تراكمية. فحالة العداء المستمر دون حرب شاملة تُنتج مع الوقت بيئة استنزاف بطيء: سباق تسلح دائم، توتر إقليمي مزمن، وتوسّع في مساحات تحرك الفاعلين غير الدولتيين الذين يجدون في هذا الغموض مساحة للتأثير. وهكذا يتحول الوضع إلى معادلة غير مستقرة: لا أحد يربح حسمًا، لكن الجميع يخسر استقرارًا.

من هذا المنظور، يمكن فهم التحول الذي يتم الحديث عنه، خصوصًا في سياق سياسات أكثر اندفاعًا تُنسب إلى إدارة دونالد ترامب، كـمحاولة لكسر هذا النمط المتجذر. الفكرة هنا لا تتمثل في الذهاب إلى حرب شاملة، بل في رفع مستوى الاحتكاك إلى درجة تُجبر الطرفين على اختبار حدود القوة بشكل مباشر. بدل أن تبقى الحسابات نظرية أو مبنية على تقديرات غير مؤكدة، يصبح هناك احتكاك عملي، حتى لو كان محدودًا، يكشف قدرة كل طرف على الصمود، وعلى الرد، وعلى فرض سقف التهديد.

هذا التحول لا يمكن فهمه فقط كتصعيد، بل أيضًا كعملية ضبط للتصعيد نفسه. إذ إن ما برز في هذا السياق هو قدرة الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الفاعلة الرئيسية، على إبقاء الحرب، ضمن حدود “متحكم بها” ومنعها من الانفلات إلى حرب شاملة. وفي الوقت نفسه، أظهرت إيران سلوكًا لا يقل أهمية: ردود محسوبة بدقة، وتصعيد مضبوط، وتجنب الانزلاق إلى ردود فعل متهورة رغم الضغوط والتصريحات التصعيدية. هذا السلوك المتبادل لم يكن مجرد ضبط ذاتي، بل كان نتيجة إدراك عملي متبادل لخطورة الانفلات.

والأهم أن هذا التفاعل أنتج ما يشبه “قواعد اشتباك غير مكتوبة” تشكلت أثناء الاختبار نفسه، لا قبله. وهنا برزت نقطة مفصلية: أن الحرب أو الاحتكاك لم يخرجا عن السيطرة، بل تحولا إلى مساحة لإعادة تعريف حدود الفعل الممكن. بهذا المعنى، لم تعد إيران مجرد طرف مُستهدف أو مُحتوى، بل أصبحت فاعلًا إقليميًا تُحسب ردوده بدقة، ما منحها موقع “الندّ الذي لا يمكن تجاهله” دون أن يعني ذلك تهورًا أو انزلاقًا. وفي المقابل، أعادت هذه الديناميكية حسابات واشنطن نفسها، لتتعامل مع إيران كقوة لا يمكن التقليل من قدرتها على التأثير والردع.

ضمن هذا الإطار، لعبت الولايات المتحدة أيضًا دورًا إضافيًا لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل على ضبط الإيقاع الإقليمي، بما في ذلك إدارة سلوك إسرائيل ومنع انزلاقه إلى تصعيد غير محسوب. هذا الدور جعل من واشنطن ليس فقط طرفًا في الصراع، بل أيضًا منظمًا لحدود تصعيده، بما يحافظ على إمكانية التحكم في مساره العام.

هذا “الوضوح القسري” الذي نشأ من الاختبار المتبادل أعاد تشكيل منطق الردع نفسه. فبدل أن يكون قائمًا على الافتراضات، أصبح قائمًا على التجربة الفعلية. كل طرف أصبح يعرف حدود الآخر بشكل أدق: ما يمكن احتماله، وما يمكن الرد عليه، وما يمكن أن يؤدي إلى تصعيد شامل. وهنا يتحول الغموض إلى وضوح، لكنه وضوح محفوف بالمخاطر، لأنه يُنتج استقرارًا قائمًا على التجربة لا على الثقة.

في هذا السياق، يصبح القياس على تجربة ما بعد حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل مغريًا من الناحية التحليلية. فقبل تلك الحرب، كان هناك نمط من الاستنزاف والعداء غير المحسوم. لكن الحرب نفسها كسرت الجمود، وأعادت تعريف ميزان القوى، ومهّدت لاحقًا إلى اتفاقية كامب ديفيد، التي أسست لنظام علاقات مستقر نسبيًا، حتى وإن بقي بارداً في طبيعته. غير أن الفارق الجوهري أن الحالة الأمريكية–الإيرانية أكثر تشعبًا، لأنها متعددة الساحات، وتشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان والممرات البحرية، إضافة إلى فاعلين غير دوليين قادرين على التصعيد خارج السيطرة المباشرة للدول.

ورغم هذه الفوارق، يبقى السيناريو الذي يتشكل منطقيًا في هذا التحليل هو الانتقال من صراع مُدار إلى صراع مُختبَر، ثم إلى نظام ردع متبادل مستقر. في هذا النظام لا يتحقق سلام تقليدي، بل تتشكل قواعد ضمنية: خطوط حمراء واضحة، مجالات نفوذ غير متداخلة بشكل مباشر، وقنوات اتصال، حتى غير رسمية، لتفادي سوء الفهم. ومع الوقت، يمكن أن ينتج عن ذلك “سلام بارد ممتد”، تغيب فيه الثقة، لكن تنخفض فيه احتمالات الحرب الشاملة.

ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يمكن اعتباره حتميًا. فهناك مخاطر بنيوية قد تعيده إلى الفوضى: سوء التقدير الذي قد يحول احتكاكًا محدودًا إلى تصعيد واسع، استقلالية الوكلاء الذين قد يجرّون الأطراف إلى مواجهات غير مقصودة، التغيرات السياسية الداخلية التي قد تعيد تعريف الحسابات الاستراتيجية، وأخيرًا اختلال الردع إذا شعر أي طرف بأن الآخر فقد القدرة أو الإرادة على الرد.

في النهاية، ما يتشكل ليس مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل لحظة انتقالية في طبيعة النظام الإقليمي نفسه: من عداء طويل مُدار بالغموض، إلى عداء مُختبَر بالاحتكاك، ومن ردع افتراضي إلى ردع مُجرّب. وإذا نجح هذا التحول في تثبيت قواعده، فقد يؤدي إلى استقرار طويل الأمد قائم على إدارة القوة بدل إنكارها. أما إذا فشل، فقد يتحول كسر النمط إلى بداية دورة جديدة وأكثر تعقيدًا من التصعيد المتكرر.

وبهذا المعنى، فإن جوهر الصراع لا يكمن فقط في ميزان القوة، بل في القدرة على تحويل اختبار القوة ذاته إلى بنية استقرار، بدل أن يتحول إلى مقدمة لانفلات طويل الأمد.

د. ابراهيم نعيرات

كاتب من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى