
صراع العمالقة … من يحكم العالم ( العالم يتوق إلى الاستقرار الاستراتيجي البناء )
العالم ساحة لصراع نفوذ متعدد الأقطاب، يبرز في هذا الصراع ثلاثة أقطاب رئيسية تتنافس على الهيمنة الاقتصادية، العسكرية، والسياسية، ولا زالت الولايات المتحدة تصر على أن تقود النظام العالمي الحالي، لأنها ترى انها تتمتع بأكبر قوة اقتصادية وعسكرية، مع نفوذ قوي في المؤسسات الدولية، فيما الصين القوة الصاعدة ثاني اقتصاد عالمي تتوسع بقوة في آسيا وإفريقيا، أصبحت تشكل المنافس الاستراتيجي الأول للهيمنة الأمريكية، فيما روسيا تشكل قوة عسكرية ونووية تتحدى النظام الغربي، وتود استعادة جزء من نفوذها في زمن الحرب الباردة من اجل المشاركة في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب.
انشغل مفكرو الولايات المتحدة منذ فترة ليست بالقصيرة، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بمستقبل الولايات المتحدة في ظل التغيرات الحادثة في شكل النظام العالمي، خصوصا منذ تحولات ميزان القوى من الغرب إلى الشرق في القارة الآسيوية منذ بداية الألفية الثالثة، وبشكل خاص بعد حروب أفغانستان والعراق التي أنهكت اقتصادها بالحروب غير المبررة.
وفي فبراير 2012 صدر كتاب روبرت كاجان مؤرخ وزميل مركز بروكينجز وأحد أقطاب المحافظين الجدد في ذلك الوقت المعنون ( العالم صنع أمريكي ) تبنى الرئيس أوباما بعض مقولاته في خطابه لحالة الاتحاد، وقدم كاجان أفكاره حول مستقبل القوة الأمريكية ضد خرافة التراجع الأمريكي، وأن أميركا تتمتع بصلابة أسس القوة الأمريكية، وذكر كاجان بتعرض أميركا لأزمات اقتصادية طاحنة وطويلة في 1890، 1930، 1970، واستطاعت اميركا على إثر كل منها أن تعود أقوى مما كانت عليه قياسا بالقوى الأخرى، وكانت الولايات المتحدة تنتج ربع الإنتاج العالمي، فيما كان إنتاج الصين في 2010 نحو 6 تريليون دولار، فيما بلغ الناتج الإجمالي للولايات المتحدة 15 تريليون دولار خلف الاتحاد الأوروبي البالغ 16.4 تريليون دولار.
واعتبر كاجان أن صعود الصين والهند وبعض القوى الآسيوية إنما يأتي على حساب أوروبا واليابان اللتين تراجع نصيبهما في الاقتصاد العالمي، ويعتبر ان اقتصاد الصين المحض ليس مؤشرا جيدا في ميزان القوة النسبية في النظام الدولي، وكانت الصين أكبر اقتصاد في بداية القرن التاسع عشر، لكن تراجع اقتصادها لصالح أوروبا.
لم يعد النظام الدولي منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قائما على المنافسة التقليدية بين القوى الكبرى كما كان الحال في زمن الحرب الباردة، أو خلال لحظة القطب الواحد في التسعينات، المنافسة الأميركية الصينية لم تعد مجرد صراع اقتصادي أو تكنولوجي أو حتى عسكري تقليدي يمكن احتواؤه، بل تحولت إلى حرب وجودية متعددة الأبعاد على ثلاثة محاور مترابطة ترتبط ببعضها، هذه المحاور الثلاثة هي الممرات البحرية التي تمثل شريان الطاقة والتجارة والإمداد العسكري، والمعادن النادرة والحرجة التي أصبحت النفط الجديد للثورة الصناعية الرابعة والخامسة والسادية القادمة، والبنية الرقمية التي أصبحت عصب الحياة.
انتقلت الصين من دولة نامية تعتمد على العمالة الرخيصة إلى قوة صناعية وتكنولوجية متقدمة، تسيطر على بنية العالم التجارية، ووجدت الولايات المتحدة أن الاحتفاظ بالهيمنة تحتاج ليس فقط إلى قوة عسكرية، بل إلى ضبط المنظومة العالمية بحيث تظل هي مركز الممرات ومركز التكنولوجيا، ومركز النظام المالي والرقمي، خصوصا وأن الصين لم تقف مكتوفة الأيدي أنفقت أكثر 1.8 تريليون دولار حتى نهاية 2025 في بناء عالم مواز كامل من الممرات البديلة، خطوط سكك حديدية، الصين أوروبا عبر كازخستان وبيلاروسيا وروسيا، ارتفعت من 80 رحلة سنوية عام 2011 إلى 18400 رحلة سنوية عام 2025 وأصبحت تنقل بضائع بقيمة 74 مليار سنويا، وتقلص زمن الشحن من 45 يوما بحرا إلى 12-14 يوما برا، ميناء جوادر الباكستاني يستقبل 19% من نفط الصين القادم من الخليج، مما يختصر المسافة 12 ألف كيلومتر عن طريق ملقا، ويجعله تحت حماية من القوات الباكستانية والصينية معا.
افتتحت قاعدة لها في جيبوتي عام 2017 تحولت إلى مركز لوجستي يدير استثمارات صينية بقيمة 92 مليار دولار في موانئ كينيا وتنزانيا والصومال والسودان وموزمبيق، وفي أمريكا اللاتينية بدأ العمل الفعلي في 2025 في مشروع قناة نيكارغوا الجافة بتكلفة 60 مليار دولار، والذي سيربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ برا وسككا حديدية عالية السرعة يدار بشركات صينية، كما تمتلك الصين تسع كسارات جليد نووية وغير نووية مقابل اثنتين للولايات المتحدة من أجل أن تقلص المسافة بين شنغهاي وروتردام من 20 ألف كيلو متر إلى 12 ألف كيلو متر.
كذلك الولايات المتحدة لم تجلس مكتوفة الأيدي أمام هذا التمدد الاستراتيجي الصيني المرعب، فاقتصادها يعتمد على حرية الملاحة ويعتمد على التفوق البحري لضمان تفوقها العالمي، وحلفاؤها في آسيا يعتمدون على وجودها البحري كضمانة ضد أي محاولة صينية، وقعت اتفاقية سرية مع فيتنام في يوليو 2025 تتيح للبحرية الأمريكية استخدام قاعدة كام رانه البحرية، لقطع الامدادات الصينية في بحر الصين الجنوبي في غضون ساعات، ومن أجل البنية التحتية العالمية ضخت فيه 312 مليار دولار إضافية في عهد ترمب، مع التركيز على موانئ سريلانكا وجزر المالديف وجيبوتي وموزمبيق وكينيا وجزر سليمان، لتكوين حلقة خنق بحرية كاملة حول المصالح الصينية.
وفق بيانات البنك الدولي بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قرابة 28.75 تريليون دولار، وللصين نحو 18.74 تريليون دولار في 2025 أي أن الاقتصاد الأمريكي قفز أقل من الضعفين عن عام 2010 بينما تضاعف الاقتصاد الصيني ثلاثة أضعاف منذ عام 2010، ونحو 17 ضعفا عن عام 2000 الذي بلغ 1.2 تريليون دولار، الذي قفز من 397 مليار دولار عام 1990، فيما كان ناتج الولايات المتحدة في 1990 نحو 6 تريليونات دولار، ارتفع إلى 10.28 تريليون دولار عام 2000.
ما يعني أن البلدين معا يمثلان 42.8% من إجمالي الاقتصاد العالمي البالغ 110.98 تريليون دولار، ووفق غولدان ساكس فإن الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2050، حيث يقدر ناتجها المحلي الإجمالي بنحو 42 تريليون دولار متجاوزة الولايات المتحدة التي يتوقع ان يبلغ نحو 34 تريليون دولار، بل هناك تقديرات أخرى ترى تصدر الصين بنحو 58 تريليون دولار مقابل 34 تريليون دولار للولايات المتحدة.
تدفقات السلع بين البلدين وصفت من أنها من أكبر التدفقات الثنائية في تجارة البضائع عالميا ففي 2024 استوردت الولايات المتحدة من الصين 463 مليار دولار، بينما استوردت الصين من الولايات المتحدة 165 مليار دولار، أي ان العلاقة بين البلدين تظل حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي، فقد بلغ حجم تجارة السلع والخدمات بينهما في 2024 نحو 658.9 مليار دولار قبل أن تهبط تجارة السلع وحدها إلى 414.7 مليار دولار في عام 2025 نتيجة الحرب التجارية بين العملاقين.
حرب المعادن النادرة مقابل حرب التقنيات التكنولوجية، ففي 2010 عندما اصطدمت سفينة يابانية بقارب صيني اختفت صادرات الصين من سبعة عشر عنصرا نادرا فتوقفت مصانع تويوتا وهوندا وباناسونيك ونيكون 49 يوما وارتفعت أسعار بعض العناصر إلى 800%، تكرر السيناريو عام 2023 عندما حظرت الصين جزئيا الغاليوم والجرمانيوم ردا على قانون تشيبس الأمريكي ووصل ذروته في أبريل 2025، عندما فرضت الصين قيودا جديدة على عناصر ثقيلة نادرة الإيتريوم، الديسبروسيوم، التيربيوم، اليوروبيوم، اللوتيتيوم، السكانديوم، والجادرلينيوم، مما أدى إلى توقف خطوط إنتاج فورد وجنرال موتورز وتسلا للسيارات الكهربائية 42 يوما، إلى جانب اعتماد الولايات المتحدة على مصانع تايوان لأشباه الموصلات TSMC التي تنتج 92% من الرقائق المتقدمة دون 7 نانومتر، وعلى معدات الطباعة الضوئية من شركة ASML الهولندية، وعلى تحالف الولايات المتحدة، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان، وعلى تحالف الشبكة النظيفة التي تضم 64 دولة.
في المقابل الهيمنة على الممرات البحرية لا تحمل نقل النفط والسلع بل تحمل 985 من البيانات في كابلات بحرية تمتد عبر القارات، وتمتد لمسافة إجمالية تقارب 1.5 مليون كيلو متر حول العالم، العمود الفقري لنقل أكثر من 99% من حركة النت الدولية، عدد الكابلات نحو 400 كابل، ومن يسيطر على مساراتها او على معداتها أو على البنية التي تديرها يستطيع التأثير على كل شيء، من الأسواق المالية في نيويورك إلى شبكات الكهرباء الذكية في أوروبا.
هناك منطقة صينية تطبق هواوي من الجيل الخامس والسادس، وتعتمد المنطقة على مصنع SMIC الذي وصل إلى 5 نانومتر تجاريا في نوفمبر 2025 الذي يعد اختراق تقني مفاجئ معتمدة على معايير صينية وقعت عليها 87 دولة تشمل القارة الأفريقية ونحو65% من دول أمريكا اللاتينية، ومعظم دول رابطة آسيان عدا الفلبين وسنغافورة، وتمتلك الصين من قدرة الحواسب الفائقة العالمية 43.8% مقابل 28.7% للولايات المتحدة، وحرب أشباه الموصلات نفسها تحولت إلى حلبة ملاكمة بدون حكم.
أتت زيارة ترمب للصين في 14/مايو 2026 في وقت شائك يشهد استمرار حرب إيران، وما يترتب على غلق مضيق هرمز وتداعيات على الاقتصاد العالمي، ورحب الرئيس الصيني شي جين بينغ بان باب الصين سيظل يفتح على نطاق أوسع، مرحبا بتعزيز التعاون الاقتصادي بين البدين، خصوصا وأن وكالة شينخوا الرسمية ان شي شدد على ان الشركات الأميركية لعبت دورا مهما في مسيرة الإصلاح والانفتاح في الصين، وأن الطرفين استفادا من هذا التعاون، وان الشركات الأميركية ستتمتع بآفاق أوسع في السوق الصينية.
هناك تقارير عن موافقة واشنطن على السماح لشركة نفيدا بيع شريحة H200 المتقدمة لبعض الشركات الصينية، رغم القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا، اعتبرت القمة بين ترمب وشي واحدة من أهم القمم في تاريخ البشرية، وستعمل أميركا والصين معا على وضع بروتوكول أمني يحدد أفضل الممارسات في مجال الذكاء الاصطناعي لضمان عدم وصول هذه النماذج إلى جهات غير حكومية، فهناك صيغة جديدة من العلاقات بين العملاقين تقوم على التعاون مع منافسة منضبطة، واتفقا الجانبين على بناء علاقة بناءة ومستقرة استراتيجيا، توفر التوجيه للعلاقات الثنائية خلال السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها، وتبقى الخلافات تحت السيطرة، واستقرارا دائما يمكن فيه توقيع السلام.
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا



