
صراع على غاز شرق المتوسط(وسط سعي أوروبي لتأمين بدائل للغاز الروسي والخليجي وسعي أميركي للهيمنة)
يشهد شرق المتوسط تنافسا جيوسياسيا واقتصاديا محتدما، لاستغلال اكتشافات هائلة تقدر ب2100 مليار متر مكعب، واحتياطيات غير مكتشفة تبلغ 300 تريليون قدم مكعب من الغاز، وسط نزاعات حول ترسيم الحدود البحرية، ومحاولات سيطرة إسرائيلية على حقول قانا وغزة، تزامنا مع أزمات إقليمية الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 2026، وتشديد أمريكا الحصار البحري المطبق على إيران، وفي نفس الوقت حصار يمتد إلى العالم.
يواجه العرب تهميشا في استغلال حقولهم، رغم اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان عام 2022 التي لا تزال أطماع إسرائيلية في حقل قانا اللبناني، يواجه الفلسطينيون في غزة تهميشا في استغلال غاز غزة بسبب الحصار الإسرائيلي منذ عام 2007، كذلك تطالب تركيا بحقوق سيادية للقبارصة الأتراك في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، ساعية لتعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة، وهو ما يواجه اعتراضا أوروبيا وأميركيا، أيضا تود مصر ان تصبح مركز إقليمي لتسييل وتصدير الغاز من حقولها وحقول الجوار مثل حقل افروديت إلى أوروبا.
يلعب منتدى غاز شرق المتوسط الذي تأسس في يناير 2019 بالقاهرة دورا في محاولة تنظيم التعاون بين الدول، تم توقيع ميثاقه الرسمي في سبتمبر 2020، ودخل حيز التنفيذ القانوني في 9 مارس 2021 يتشكل من الدول المؤسسة مصر، قبرص، اليونان، إسرائيل، إيطاليا، الأردن، فلسطين، بهدف التعاون في استغلال الغاز الطبيعي، لأن نزاعات الحدود تفضي إلى تصعيد عسكري يهدد الاستثمارات الدولية في قطاع الغاز، ويحول الموارد الطبيعية أوراق تفاوضية تحت ضغط موازين القوى.
تشمل منطقة حوض شرق المتوسط كلا من مصر وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص التركية واليونانية بالإضافة إلى تركيا واليونان باعتبارهما بين القوى المحركة للأحداث في حوض شرق المتوسط، أخذت بعدا دوليا مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للحد من الصراع بين قوى حوض شرق المتوسط، لاعتبارات جيوسياسية وليس فقط لاعتبارات اقتصادية رغم ان حوض شرق المتوسط لا يمتلك من الاحتياطيات العالمية سوى 2% فقط.
دفعت الأزمات المبكرة في حوض شرق المتوسط سبع دول تتكون من مصر والأردن واليونان وجمهورية قبرص وفلسطين وإسرائيل وإيطاليا إلى تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط في سبتمبر 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها، بوصفه فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها، خصوصا في ظل وجود احتياطيات كبيرة من الغاز تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي
وفق وكالة الطاقة في 24 أبريا 2026 ترى ان صراع الشرق الأوسط قد كبد العالم 120 مليار متر مكعب من الغاز المسال حتى 2030 من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المسال أي ما يعادل 15% من الامدادات العالمية المتوقعة، بسبب حالة الانقطاع المؤقتة في تدفقات الإمدادات وتباطؤ نمو الطاقة الإنتاجية.
نتيجة اختلاط خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق المتوسط، فتحول الغاز من مجرد ثروة طبيعية إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية، وفي قلب هذه التشابكات المعقدة، تبرز السياسة بوصفها المحرك الأساسي للصراع، فتركيا الساعية لكسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية لا تخلو من رسائل مبطنة تشكل مشهدا مضطربا، فيما الأطراف الأخرى تتحصن بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثنا حتى تل أبيب، يشي بان معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.
يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية، وهناك تخوف من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد، بدأ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد توالي اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عالمي 2009 و 2010 قبالة سواحل فلسطين تمار ثم ليفياثان، تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل أفروديت عام 2011 وهو ما فجر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام جمهورية قبرص بالتنقيب دون اتفاق مع جمهورية شمال قبرص التركية، ثم تسارعت الاكتشافات كان أبرزها حقل ظهر قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة طاقويا، ليتصاعد الصراع بين عامي 2019 و 2020 بعدما وقعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح انقرة نطاقا بحريا ممتدا، وهو ما اعتبر انتهاكا للقانون الدولي وتعديا على حقوق سيادية، وعاد الصراع في 12 يوينو 2025 عن دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت مما أثار حفيظة حكومتي ليبيا وعد انتهاكا للسيادة الليبية.
فحوض شرق المتوسط بين سباق مصالح ونحو تحديث خريطة تخطيط الحيز البحري لفرض أمر واقع في أجواء لم تخل من اتهامات متبادلة قد تتحول إلى برميل بارود يوشك على الانفجار.
خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين، مثل اليونان المسنودة أوروبيا، لن تتهاون ضد أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة التي نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 التي تمنح الدولة الساحلية حقوقا سيادية محدودة على موارد هذه المنطقة تمتد إلى 200 ميل بحري كحد اقصى من أساس من شاطئ الدولة، ويرى الاتحاد الأوروبي أن أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي، مما جعل الغاز محركا لترسيم الحدود، فيما إسرائيل تعتمد استراتيجية دبلوماسية الأنابيب وتصدير غازها إلى مصر والأردن بقيمة 35 مليار دولار، لا تراه صفقة تجارية فحسب، بل هو وسيلة لخلق اعتماد متبادل يقلل من احتمالات الصدام العسكري، ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة.
فيما ترى واشنطن أنها كضامن للمسارات البديلة، أي فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي، وفي نفس الوقت يسعى مسعد بولس مستشار ترمب للشؤون العربية والشرق أوسطية خلال زيارته لليبيا تسهيل صفقات مع شركتي هيل إنترناشيونال وإكسون موبيل بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية، كما فازت شركة شيفرون الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات يشكل تحديا لمذكرة تركيا – ليبيا لدعم مبدا الوطن الأزرق لتركيا، التي اخترعتها تركيا للمطالبة والاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان، بما في ذلك الجزر اليونانية، واعتبرت أنقرة ليبيا حجر الزاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بالوطن الأزرق، الذي يهدف إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعيا لتحقيق حزمة من المكاسب الجيوسياسية والأمنية المتكاملة.
فيما المادة 121 من قانون البحار عام 1982 تنص على حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة، وفي 25 أكتوبر 2025 منحت اليونان رسميا شيفرون الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط في المناطق المتنازع عليها مع ليبيا، وفي منتصف يناير 2025 أعلنت شركة إكسون موبيل عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر بعد نجاحها ف يحفر بئر استكشافية في البحر البيض المتوسط.
كذلك قدمت مالطا مذكرتين للأمم المتحدة ترفض خريطة الاحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس بداعي انها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا، وان طرابلس أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالا على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر مما شوه ترسيم الحدود، أي أنها انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة، وطالبت طرابلس بالانخراط في الحوار.
وصفت صحيفة غريك سيتي تايمز ما يجري في هذا الملف بأنه إعصار جيوسياسي ويهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة، بسبب تمسك تركيا بحقها التاريخي، والتوجه نحو قانون الغاب، والبديل قد يكون استخدام القوة، بسبب اللامبالاة من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة التي بحثت عن مصالحها في شرق المتوسط، والاتحاد الأوروبي الذي هو الاخر يبحث عن مصالحه، وعزوف الجميع عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار، في ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، وقد تتجه المنطقة إلى حروب غير تقليدية التي لم تعد هي العامل الحاسم، بعدما أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية، خصوصا بعدما تم في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز شرق المتوسط بعد اتفاق بين تركيا والصين في 23 سبتمبر 2025، وهي بمثابة حرب باردة جديدة في حوض شرق المتوسط بعد تشكيل تحالف تركي صيني يعمل على ضم ليبيا، وأن هذا التحرك ستكون له تداعيات أوسع نطاقا على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها ومن بينها إسرائيل.
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا




