
مالي على حافة الهاوية: قراءة استشرافية في أزمة تُعيد رسم خريطة الساحل
ثمة لحظات في التاريخ تكشف فيها الأزمات عن طبيعة النظام الدولي بأسره، لا عن طبيعة الدولة المأزومة وحدها. مالي في ربيع 2026 واحدة من هذه اللحظات. ليست مجرد دولة تعاني انهياراً أمنياً، بل هي مسرح تتصادم فيه خمس قوى بمصالح متباينة وأدوات متعارضة، فوق أرض تحمل من الثروات الباطنية ما يكفي لتحريك أقوى الجشع الجيوسياسي. فهم ما يجري في مالي اليوم يستلزم الابتعاد عن السجال الإعلامي وقراءة ميكانيكا القوة كما هي، بما فيها ما يزعج أكثر من رواية واحدة.
جدول المحتويات
الواقع الميداني: دولة مجوّفة وحرب غير قابلة للحسم
الصورة الميدانية في مالي باتت أوضح من أن تُحتاج إلى تأويل. المجلس العسكري في باماكو يحكم العاصمة وعدداً من المدن الجنوبية الكبرى، لكن الشمال بما يمثله من ثلثي المساحة الإجمالية بات خارج سيطرته فعلياً منذ سنوات. هجمات “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في ربيع 2026، والانسحاب المالي-الروسي من كيدال وتساليت، لم يكن مفاجأة للمحللين الميدانيين، بل كان تأكيداً لمعادلة كانت واضحة منذ سنوات: فيلق أفريقيا -الخلف الرسمي لمجموعة فاغنر- لم يكن قوة استعادة إقليمية في يوم من الأيام، بل هو في جوهره قوة حماية عواصم وتأمين مقرات حكم ومناجم.
الستة آلاف مقاتل الذين تضمهم الحركات الجهادية النشطة في المنطقة رقم يوهم بالضآلة، لكنه في سياقه الجغرافي قوة هائلة. هؤلاء لا يشكّلون جيشاً كلاسيكياً قابلاً للهزيمة في معركة فاصلة، بل شبكة موزعة تعيش داخل التضاريس الصحراوية والنسيج القبلي. كل ضربة موجهة إليهم تنتج شهداء وتوسّع قاعدة التجنيد، والتاريخ لم يُسجّل نصراً عسكرياً صرفاً على هذا النوع من الفاعلين في أفغانستان ولا في اليمن ولا في الصحراء الكبرى.
الأخطر من الوضع الميداني هو ما يمكن تسميته “السقوط التدريجي الصامت”: ليس هجوماً على باماكو -وهو سيناريو مستبعد لأن الحركات لا تملك الدافع الاستراتيجي للتقدم جنوباً بعيداً عن قواعدها- بل تآكل صامت في قدرة الدولة على توفير الخدمات وفرض السيادة، حتى يغدو وجود “دولة مالية” رسمياً لا أكثر. هذا السيناريو أقرب للأفق الزمني الراهن من أي معركة كبرى.
الولايات المتحدة: إحباط استراتيجي وأدوات محدودة
واشنطن تعيش في ملف مالي نوعاً من الإحباط الهادئ. منذ أن طرد المجلس العسكري القوات الفرنسية عام 2022 ثم أنهى تفويض بعثة الأمم المتحدة عام 2023، وجدت واشنطن نفسها أمام فراغ أمني ملأه فيلق أفريقيا بسرعة وجرأة لم تستطع المنافسة عليها. الاستجابة الأمريكية جاءت متأخرة ومترددة، محكومة بتوترات داخلية وأولويات إقليمية متنافسة.
الضغط الأمريكي على الجزائر -الذي تجلّى في زيارات مبعوثين من أمثال كريستوفر لاندو- يحمل في جوهره ثلاثة مطالب متشابكة: أن تُشارك الجزائر نفوذها التاريخي لدى الحركات الطوارقية في خدمة الأجندة الأمنية الأمريكية، وأن تتوقف عن تعقيد مسار أي تطبيع مع باماكو، وأن تقبل دوراً ثانوياً في هندسة أمنية جديدة تقودها واشنطن. المشكلة أن هذه المطالب تطلب من الجزائر ما لا تستطيع تقديمه دون أن تنتحر جيوسياسياً. وواشنطن، بدورها، لم تُقدّم حتى الآن الثمن الذي يجعل التنازل مُجدياً للمؤسسة الجزائرية.
الموقف الأمريكي من سيناريو الحكم الذاتي المغربي سيكون داعماً مبدئياً، لأنه يصبّ في الهدف المحوري لواشنطن وهو إضعاف الوجود الروسي وتفكيك التحالف بين باماكو وموسكو. غير أن الدعم الأمريكي سيبقى مشروطاً وحذراً، إذ تعلمت واشنطن من تجارب مريرة أن رعاية تسويات إقليمية معقدة في مناطق لا تعرف تفاصيلها الدقيقة ينتهي في الغالب بتضخيم المشكلة.
روسيا: الحليف المأزوم بين الكبرياء والواقع
الإحراج الروسي في مالي أعمق مما تُصرّح به موسكو. فيلق أفريقيا قُدِّم للرأي العام الروسي والأفريقي باعتباره البديل الناجع عن الفشل الغربي في الساحل. هزيمة كيدال وتساليت ليست مجرد نكسة ميدانية، بل هي ضربة للسردية التسويقية الروسية في القارة الأفريقية التي كانت تُقدّم نفسها حارساً موثوقاً للحكومات في مواجهة التمرد.
الموقف الروسي من الجزائر يمر بما يمكن تسميته “برود استراتيجي”. موسكو تعتمد على الجزائر في صفقات السلاح والتنسيق في المحافل الدولية، وهو تعاون لا تستطيع التخلي عنه. لكنها في ملف مالي تحديداً تشعر بريبة حقيقية: هل تسمح الجزائر بمرور دعم لوجستي عبر حدودها الجنوبية للحركات المعادية لباماكو؟ هل تعمل دبلوماسياً على إطالة الأزمة لإثبات فشل المقاربة الروسية وبالتالي استعادة دورها الوسيط؟ لا أدلة قاطعة على أي من هذين السيناريوهين، لكن غياب الأدلة لا يعني بالضرورة براءة السلوك.
الأكثر دلالة هو دعم روسيا لباماكو في إلغاء “اتفاق الجزائر” لعام 2015، الاتفاق الذي كان تاجاً دبلوماسياً جزائرياً بامتياز. موسكو اختارت مصلحة حليفها الأقرب ميدانياً على حساب مشاعر الحليف الأقدم، وهو قرار براغماتي مفهوم لكنه ترك ندبة في العلاقة الثنائية.
الجزائر: أسيرة عقيدتها
لفهم السلوك الجزائري في مالي، يجب العودة إلى العقيدة الأمنية الجزائرية في جوهرها: المؤسسة العسكرية-الأمنية تعتبر الجنوب الصحراوي “العمق الاستراتيجي” الذي يُعوّض محدودية العمق في الشمال. أي إعادة رسم لخريطة النفوذ في الساحل تعني في المنظور الجزائري تضييقاً لهذا العمق وتطويقاً جيوسياسياً.
لكن المأزق الجزائري الحقيقي أعمق من مجرد تضارب المصالح مع الآخرين. الجزائر تجد نفسها محاصرة بين ثلاث خيارات كلها مكلفة: دعم المجلس العسكري المالي ومجاراة التوجه الروسي الكامل يعني التخلي عن ورقة “اتفاق الجزائر” ومنح موسكو نفوذاً في حديقتها الخلفية. التنسيق مع واشنطن يُقوّض منظومة الخطاب السيادي التي تشرعن النظام منذ الاستقلال. والحياد يعني التهميش التدريجي بينما تتنافس قوى أخرى على ملء الفراغ. نتيجة هذا التردد هي “الجمود المُعلَّق”: لا فاعلية في التأثير ولا قبول بالتهميش، فيما تتآكل الأوراق الجزائرية التقليدية واحدة تلو الأخرى.
فرنسا: شبح الإذلال وحدود الانتقام
خرجت فرنسا من مالي بشكل مُهين؛ طُرد جيشها وأُحرقت أعلامها. الإذلال حقيقي وعميق، ويطرح سؤالاً مشروعاً: هل تعمل باريس على عرقلة الاستقرار انتقاماً؟ الإجابة الرصينة تُفرّق بين أمرين: تقاطع مصالح موضوعي بين فرنسا والجزائر في إثبات فشل المقاربة الروسية، وتنسيق مُنظَّم بين البلدين لتحقيق هذا الغرض. الأول موثق بالسلوك، والثاني تفتقر إليه الأدلة. فرنسا تحتفظ بعلاقات مع بعض الفصائل الطوارقية التي رعتها تاريخياً، ولم تُبدِ أي مبادرة جادة لدعم باماكو بعد الطرد. لكن المسافة بين التفرج المُتشفي والتآمر الفعلي مسافة تحليلية يجب عدم تجاوزها بلا دليل.
المغرب: رهان التنمية في مواجهة الفوضى
المقاربة المغربية (والإماراتية نوعا ما) تختلف جذريا عن منطق الفاعلين الآخرين، لأنها تُقرّ ضمنياً بعبثية الرهان على إسقاط القوة العسكرية في المنطقة، وتختار بدلاً منه ورقة الاقتصاد والتنمية. المبادرة الأطلسية التي أعلنها الملك محمد السادس -ربط دول الساحل الحبيسة بالمحيط الأطلسي عبر ممرات برية عبر المغرب- هي في جوهرها رهان على أن الحاجة الاقتصادية قادرة على كسر الجمود الأمني. الإمارات بدورها تُكمّل هذا المشهد بتمويل تنموي وعلاقات مع الأجهزة الأمنية الإقليمية ورؤية مشتركة في مواجهة تمدد الإسلام السياسي.
غير أن التحليل الرصين يستوجب الإشارة إلى أن هذه المقاربة المغربية رغم صحة اتجاهها تواجه عقبات بنيوية: المسافات الجغرافية ضخمة، والبنية التحتية الرابطة غائبة، والوضع الأمني على طول المسار متقلب. ما تملكه الرباط من شرعية روحية وتاريخية في المنطقة، (وما تملكه أبو ظبي من قدرة مالية) لا يكفيان وحدهما لتجاوز الاختبار الأصعب: الحصول على موافقة باماكو، التي تؤمن سلطاتها الحاكمة بأن ما يجري لا يعدو كونه “كبوات” مؤقتة سرعان ما ستتجاوزها على درب الانتصار الحاسم.
النيجر وبوركينا فاسو: تضامن من داخل المحاصرين
الدولتان تنتميان مع مالي إلى “تحالف دول الساحل” الذي أعلن انفصاله عن المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا. التضامن بين المجالس العسكرية الثلاثة حقيقي لكن محدود الأثر العملي: كلتا الدولتين تعانيان أصلاً تهديدات جهادية متصاعدة على أراضيهما، وبالتالي لا تملكان الطاقة الاستراتيجية الفائضة لدعم مالي ميدانياً. دورهما أقرب إلى الغطاء الدبلوماسي والتنسيق في المحافل الدولية، لكن مناطق التعدين الممتدة جيولوجياً عبر الحدود بين مالي والنيجر قد تُفضي في مرحلة لاحقة إلى توترات داخل “التحالف” ذاته حين تتصادم المصالح الاقتصادية المباشرة.
موريتانيا: الهامش يحمي نفسه
موريتانيا هي الحالة الأكثر وضوحاً في قراءة تداعيات الأزمة على المصالح المباشرة. نواكشوط تقع جغرافياً على خط التماس بين التوترات في شمال مالي والأجندة الجهادية المتمددة، وهي تحمل أعباء إضافية من شبكة لاجئين ومن حدود طويلة يصعب ضبطها. الميل الموريتاني التدريجي نحو التنسيق مع الناتو وواشنطن ليس قطيعة مع الجزائر بقدر ما هو إقرار صامت بأن المظلة الأمنية الجزائرية لم تعد كافية في مواجهة تهديدات جديدة الطابع والنطاق.
السيناريوهات الاستشرافية: ما هو ممكن ومستبعد ومرجح
السيناريو المرجح، التجميد المُدار: وقف اشتعال الخط الأمامي عبر تسوية مع الفصائل القومية الطوارقية بمعزل عن الجهاديين، مقابل حكم ذاتي فعلي في الشمال، مع بناء تدريجي لقدرة دفاعية مشتركة ضد التنظيمات الجهادية. هذا ليس نصراً بأي معنى، لكنه يوقف النزيف ويُغلق الباب أمام التمدد الجهادي الإضافي. شرطه الأساسي أن تتخلى باماكو عن وهم “الاستعادة الكاملة”، وهو وهم تغذيه المؤسسة العسكرية لأسباب تتعلق بالشرعية الداخلية أكثر مما تتعلق بأي قراءة ميدانية رصينة.
السيناريو الممكن، إعادة الترتيب الداخلي: انقلاب ناعم أو إعادة ترتيب داخلية في باماكو تُفضي إلى قيادة مستعدة لفتح قنوات مع الغرب أو مع وسطاء إقليميين. المؤسسة العسكرية المالية ليست كتلة صماء: داخلها أجيال مختلفة تتعارض رؤاها حول جدوى التحالف الروسي. هزيمة إضافية كبرى في الشمال قد تكون الشرارة التي تُحوّل هذا الاحتمال إلى واقع.
السيناريو المستبعد، الهزيمة العسكرية الحاسمة للجهاديين: لا القوات المالية ولا فيلق أفريقيا ولا أي تدخل خارجي محتمل يملك القدرة على القضاء العسكري على ستة آلاف مقاتل موزعين على مساحة تعادل أوروبا الغربية. الهزيمة العسكرية الصرفة لهذا النوع من الفاعلين وهم يتجذّرون في بيئة فقر وغياب دولة وإحساس بالظلم القبلي. هذا الأمل لم يتحقق في أفغانستان ولن يتحقق في مالي.
السيناريو المستبعد أيضاً، سقوط باماكو: الهجوم المباشر على العاصمة غير مرجح لأن الحركات لا تملك الدافع الاستراتيجي للتقدم جنوباً بعيداً عن قواعدها. لكن “الاستبعاد” هنا ليس “الاستحالة”، وشرط الاستمرار في الاستبعاد هو ألا تتلقى باماكو هزائم ميدانية متتالية تُفقد المؤسسة العسكرية تماسكها الداخلي.
الخلاصة: دولة في مفترق طرق بلا خريطة
مالي في لحظتها الراهنة ليست مجرد أزمة دولة ساحلية هشة، بل هي مختبر دامٍ لاختبار نموذجين في إدارة الأمن الأفريقي: النموذج الروسي القائم على الدعم العسكري المباشر للحكومات بصرف النظر عن شرعيتها، والنموذج الغربي المتردد بين الشرطية الديمقراطية والمصالح الأمنية. كلا النموذجين ثبت قصوره. الجزائر تقف في الفراغ بين الاثنين تتآكل أوراقها التدريجية. والمغرب يُراهن على أن هذا الفراغ هو بالضبط الحيز الذي يمكن ملؤه بمقاربة تنموية ذات أفق أطلسي؛ رهان صحيح الاتجاه لكنه ما زال في طور الاختبار، ومآلاته تتوقف على متغير واحد لا يستطيع أحد التحكم فيه: متى ستقرر باماكو أن ثمن التمسك بالوهم أكبر من ثمن قبول الواقع.




