
من البيعة الروحية إلى الدبلوماسية المنظمة | كيف يدير المغرب إمبراطوريته الصوفية؟
إمبراطورية الأرواح | خريطة نفوذ الزوايا الصوفية المغربية في أفريقيا (الحلقة السابعة والأخيرة)
على مدى الحلقات الست الماضية، رسمنا خريطة الرأسمال الروحي المغربي في أفريقيا بامتداداتها وتفريعاتها وتخصصاتها: من الجذر الشاذلي والقادري إلى إمبراطورية التيجانية الواسعة، ومن الثورة الدرقاوية وفروعها إلى وحدات النخبة الروحية في الزوايا التخصصية. الآن يبقى السؤال الاستراتيجي الأكثر حدةً وإلحاحاً: كيف يدير المغرب هذا الإرث الهائل بما يستحقه من كفاءة تليق بحجمه؟ وكيف تبدو المنظومة الحاضرة وما رهاناتها الكبرى أمام ضغوط تنافسية متصاعدة؟
جدول المحتويات
الأداتان المؤسسيتان: تمييز ضروري كثيراً ما يُهمَل
يُخطئ كثير من المحللين حين يتحدثون عن “مؤسسة محمد السادس” بوصف مبهم يجمع مؤسستين مستقلتين بوظيفتين مختلفتين اختلافاً جوهرياً. التمييز بينهما ليس ترفاً أكاديمياً بل مدخل لفهم كيف تعمل الدبلوماسية الروحية المغربية فعلياً على أرض الواقع.

مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، المُنشأة عام 2015، هي أداة التنسيق الأفقي. وظيفتها جمع كبار العلماء من مختلف الدول الأفريقية، بمن فيهم قيادات الطرق الصوفية والمفتون والأكاديميون الإسلاميون، تحت سقف مؤسسي واحد يضع المرجعية المغربية في موقع القيادة الشرعية للخطاب الديني الأفريقي الإسلامي. هي بمعنى آخر أداة “صوغ الإجماع” بين الزعامات الروحية الأفريقية حول التوجهات التي يحملها المغرب بوصفه دولة إمارة المؤمنين.

معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، المنشأ عام 2014، هو أداة التكوين الرأسي. وظيفته بناء الجيل الجديد من الأئمة الأفارقة الذين تلقّوا تكويناً ممنهجاً على المناهج الدينية المغربية، المالكية الأشعرية الصوفية، ليعودوا إلى بلدانهم حاملين مرجعية فكرية مغربية لن تتزعزع بسهولة أمام الخطابات الدينية الوافدة. حتى اليوم استقبل المعهد أكثر من 2500 طالب وطالبة من دول أفريقية وعربية متعددة.
ما تُنتجه هاتان المؤسستان معاً هو بالغ الأهمية: النخبة الدينية الأفريقية التي تتلقى تكوينها في المغرب وتنخرط في شبكة العلماء الأفارقة ستتفاعل مع المرجعية المغربية ليس كأمر مفروض بل كأمر طبيعي نابع من التجربة المشتركة. هذا هو الفارق الجوهري بين نموذج المغرب في بناء النفوذ الروحي، وبين نموذج تركيا أو السعودية الذي يعتمد أساسا على التمويل الخارجي المباشر: النفوذ المبني على التكوين والعلاقة الشخصية، أكثر رسوخاً بكثير من النفوذ المبني على الدعم المالي الذي يتوقف بتوقف التمويل.
المنافسون: تقييم واقعي للتهديد
أي تقييم استراتيجي أمين للموقف المغربي في أفريقيا لا يمكنه تجاهل المشهد التنافسي الذي تتشكّل ملامحه بسرعة متصاعدة. غير أن هذا التقييم يستلزم مقاومة إغراء التهويل والمبالغة في حجم التهديد، تماماً كما يستلزم مقاومة الاطمئنان المفرط.
“الوهابية” أو السلفية السعودية، التي طالما كانت تُقدَّم كالمنافس الأول للنموذج المغربي، تمر اليوم بتحول هيكلي عميق. منذ أن أمسك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بزمام القرار في الرياض، باتت المملكة تعيد توجيه أدواتها الخارجية من نشر الفقه السلفي نحو الاستثمار الاقتصادي والقوة الناعمة غير الدينية. “آلة التصدير” الوهابية المموّلة مركزياً من الرياض في تراجع حقيقي. لكن هذا التراجع لا يعني اختفاء الإرث الذي بذرته عقود من التمويل السعودي في أفريقيا: المدارس والمساجد والكوادر المتكونة على الفقه السلفي لا تزال قائمة وتعمل، لكنها باتت تعمل بمحركاتها الذاتية لا بمحرك مركزي يقودها من الرياض. هذا يعني أن المغرب انتقل من مواجهة تهديد “دولة” إلى مواجهة تهديد “شبكة”، والثاني أكثر تبعثراً وأصعب تحديداً في الوقت ذاته.
اما تركيا، فتمثّل المنافس الأكثر جدية على المدى المتوسط لأسباب بنيوية. “الديانت” التركي يعمل بميزانية سنوية تتجاوز 3 مليارات دولار، وبأكثر من 80,000 موظف، وهو يزاوج بين الحضور الديني والحضور الإنساني عبر TIKA والحضور الاقتصادي عبر الشركات التركية والخطوط الجوية. هذا التوليف ثلاثي الأبعاد يجعل التمدد التركي أكثر تنوعاً مما يستطيع المغرب حتى الآن إنتاجه. غير أن للنموذج التركي سقفاً هيكلياً واضحاً: الإسلام التركي ذو الجذر الحنفي-العثماني يبقى غريباً ثقافياً عن مجتمعات تشرّبت المالكية الصوفية لقرون، ومساجد “الديانت” في بعض الدول الأفريقية مثيرة للحساسية لارتباطها بصورة الجاسوسية السياسية التي عُرفت بها في أوروبا. والأهم: تركيا لا تملك ما يملكه المغرب من الجذر التاريخي في الوجدان الديني الأفريقي، وهذا الجذر لا يُشترى بأي ميزانية.
إيران هي المنافس الأضعف في هذه المعادلة رغم الضجيج المثار حول تمددها. الحضور الإيراني في أفريقيا جنوب الصحراء يعاني من ضعف بنيوي مزدوج: التيجانية والقادرية والشاذلية، التي تمثل الغالبية العظمى من المسلمين الأفارقة، هي طرق سنية مالكية لا تجد في النموذج الشيعي الإيراني أي عامل جذب روحي حقيقي، فضلاً عن أن العقوبات الدولية تقيّد القدرة الإيرانية على ضخ التمويل اللازم لبناء حضور ذي ثقل.
السلفية الجهادية: التهديد الوجودي للفضاء الروحي
في المشهد التنافسي كله، تبقى السلفية الجهادية الممثَّلة في تنظيمات من قبيل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ( JNIM) وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (ISWAP)، وبقايا بوكو حرام هي التحدي الأكثر وجودية، ليس لأنها تنافس المغرب على النفوذ الروحي بالمعنى التقليدي، بل لأنها تستهدف تدمير البنية الاجتماعية التي يقوم عليها هذا النفوذ أصلاً. التقارير المتخصصة تشير إلى أنه في عام 2024 شهد الساحل حوادث إرهابية جعلته يستحوذ على أكثر من نصف وفيات الإرهاب العالمية، وأن تنظيم JNIM وحده بات يُصنَّف اليوم بين أقوى التنظيمات الجهادية في العالم من حيث التسليح والتنظيم الميداني.
ما يجعل هذا التهديد مختلفاً عن أي منافسة روحية تقليدية هو أنه لا يسعى إلى كسب قلوب الأتباع بالخطاب الديني وحده، بل يلجأ إلى استراتيجية مركبة: إغلاق المدارس القرآنية التقليدية بحجة “الشرك”، واغتيال شيوخ الزوايا الرافضين للتطرف، وفرض تفسيره الخاص للشريعة على المجتمعات المحلية في المناطق التي يسيطر عليها، وتقديم نفسه بديلاً عن الدولة الفاشلة في توفير الأمن والخدمات. كل مدرسة قرآنية تُغلَق وكل شيخ زاوية يُهجَّر هو إضعاف مباشر للحضور المغربي في تلك المنطقة، حتى لو لم يُذكر المغرب بالاسم في أي من هذه العمليات.
المعادلة الذهبية: المأسسة دون إخماد الجذوة
الرهان الإداري الأعمق الذي تديره الدبلوماسية الروحية المغربية بذكاء ملحوظ هو ما يمكن تسميته بـ”معادلة الجذوة والهيكل”. الزوايا الكبرى كسبت قلوب الأفارقة عبر قرون جزئياً لأنها كانت تبدو بعيدة عن الحسابات السياسية الرسمية وعن توجيه الدول، حتى المغرب منها. الشيخ الذي يُدرك مريدوه أنه يتكلم بلسانه الحر لا بإملاء وزير أو سفير يحمل ثقلاً معنوياً يفتقره نظيره المُوجَّه والمُموَّل.
حين تُطوّق المؤسسات الرسمية هذه الزوايا بشبكة واسعة من التنسيق والتمويل والتوجيه، فإنها تخاطر باستبدال أصالة العلاقة الروحية بعقلانية المؤسسة البيروقراطية. المريد الأفريقي ذو الحاسة الدينية المتيقظة يملك قدرة على التمييز بين الشيخ الذي يتكلم من قلبه والشيخ الذي يتكلم من ورقة أُعدّت له في مكتب وزاري.
التوازن الصحيح، وهو ما يبدو أن النهج المغربي يستوعبه ويعتمده، رغم أن طريق النجاح الناجز لا يزال طويلاً، هو التنسيق دون التوجيه، والدعم دون الإلغاء، والمأسسة دون البيروقراطية. مؤسسة العلماء الأفارقة ومعهد تكوين الأئمة يخدمان هذا التوازن حين تقتصر وظيفتهما على توفير الإطار المرجعي وتأهيل الكوادر، تاركتَين للزوايا ذاتها حرية العمل وفق ديناميكياتها الداخلية.
التصوف الرقمي: ميدان جديد يستحق استثماراً جاداً
آخر رهانات المنظومة الروحية المغربية يتعلق بما يمكن تسميته بـ”أفريقيا الرقمية”. الجيل الشاب الأفريقي، وهو أسرع الأجيال نمواً وأكثرها طموحاً، يستهلك كثيراً من محتواه الديني والثقافي عبر المنصات الرقمية. في هذا الفضاء الرقمي، تملك تيارات السلفية الجهادية والمؤسسات الدينية السعودية والتركية حضوراً منظماً ومموَّلاً يفوق بكثير ما تُقدمه الزوايا الصوفية المغربية بمناهجها الكلاسيكية. التصوف بطبيعته يقاوم “الرقمنة” لأنه يعتمد على العلاقة الشخصية المباشرة بين الشيخ والمريد، لكن هذه المقاومة إن تحوّلت إلى غياب كامل عن الفضاء الرقمي فإنها تترك ساحة خالية يملؤها المنافسون.
المبادرات المغربية في إنتاج المحتوى الديني الرقمي المتوازن، من برامج القرآن الكريم إلى الدروس الدينية باللغات الأفريقية، لا تزال دون مستوى المنافسة الحقيقية. الفرصة المتاحة هنا لا تستلزم التخلي عن أصالة التصوف لصالح ترفيه رقمي رخيص، بل استثمار هذه الأصالة ذاتها في إنتاج محتوى روحي عميق ومؤصَّل يميّز النموذج المغربي في بحر الضجيج الرقمي الديني. فلسفة لا تغيب عن ذهن صاحب القرار، وإن قصّرت الإمكانيات المادية عن توفير متطلباتها بشكل يتفوق على منافسيها.
الخلاصة الاستراتيجية: إمبراطورية تُحكَم من الداخل
في ختام هذه السلسلة السباعية، والتي تحتمل كل حلقة من حلقاتها سلسلة منفصلة، لا بدّ من الإشارة إلى حقيقة تجمع كل ما سبق: الإمبراطورية الروحية المغربية في أفريقيا ليست إمبراطورية تأمر وتنهى، بل هي إمبراطورية تُحكَم من الداخل، من قلوب الملايين الذين يجدون في المرجعية المغربية امتداداً لهويتهم الروحية لا فرضاً عليها. هذه هي ميزتها التأسيسية التي يصعب على أي منافس نقلها أو تقليدها.
التيجانية توفر الكتلة البشرية الهائلة التي تجعل صوت المغرب مسموعاً في كل أنحاء غرب أفريقيا؛ الشاذلية بفروعها توفر العمق النخبوي الذي يمتد من المحيط الأطلسي إلى الهندي؛ القادرية المتجذرة في الصحراء حيث تكاد تغيب باقي الزوايا من هذه الجغرافيا الصعبة؛ الدرقاوية وفروعها توفر التنوع والقدرة على الاختراق الاجتماعي في شرائح متباينة. والزوايا التخصصية توفر الفاعلية النوعية في المفاصل الحرجة التي لا تصلها الكتلة العددية وحدها.
المهمة الاستراتيجية الكبرى للمغرب في المرحلة الراهنة هي الانتقال الكامل والمنظم من إدارة “الرصيد التاريخي” إلى إنتاج “قيمة مضافة مستدامة”: قيمة تشعر بها القرية المالية النائية حين تصل إليها خدمة صحية في إطار شراكة تجمع المغرب وزاويتها المحلية، وتشعر بها العائلة السنغالية حين يعود ابنها من معهد التكوين في الرباط حاملاً كفاءة تُغني مجتمعه، وتشعر بها النخبة النيجيرية حين تجد في المرجعية المغربية خطاباً يُجيب على أسئلة عصرها دون أن يقطعها عن جذورها.
المغرب لا يبني نفوذه في أفريقيا، هو يصون نفوذاً موجوداً منذ قرون ويطوّره ليلائم ضرورات عصر جديد. والفارق بين البناء من الصفر والصون المنظم هو الفارق بين مشروع يحتاج إلى أجيال وبين رهان يمكن ربحه إن أُحسنت إدارته اليوم.




