المملكة الشريفةالشأن الوطنيمختارات

سر الاستثناء الأمني المغربي (3): الأمن الداخلي – حين تصبح الاستخبارات والشرطة جسداً واحداً

في عام 2015، اتخذ المغرب قراراً هيكلياً بدا في ظاهره إدارياً بحتاً، لكنه كان في جوهره إعادة رسم كاملة لفلسفة الأمن الداخلي. الجمع بين قيادة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني تحت إمرة مسؤول واحد هو عبد اللطيف الحموشي لم يكن مجرد ترتيب تنظيمي، بل كان إجابة عملية على سؤال ظل يُعذّب الأجهزة الأمنية في كل مكان: كيف تتدفق المعلومة من الجهاز الذي يجمعها إلى الجهاز الذي يتصرف بناءً عليها دون أن تضيع في الطريق؟

الجواب المغربي كان جذرياً: أزل الطريق من أصله. اجعل الجهازين جسداً واحداً تحت قيادة واحدة، فتصبح المعلومة والإجراء وجهين لعملة واحدة لا حلقتين في سلسلة قد تنكسر.

ما قبل 2015: حين كانت المعلومة تنتظر الإذن

لفهم أهمية هذا القرار لا بد من استحضار ما كان قبله. في الترتيب السابق، كانت الاستخبارات الداخلية والأمن الوطني جهازين منفصلين بقيادتين مستقلتين ومنطقين مؤسساتيين مختلفين. الاستخبارات تجمع وترصد وتحلل، والأمن الوطني ينفذ ويتدخل ويعتقل. بينهما مسافة إدارية وبيروقراطية يعرف كل من عمل في المنظومات الأمنية كم تكلف هذه المسافة من وقت وكم أفلت من خيوط بسببها.

في العمل الأمني، الوقت ليس مالاً بل أرواح وأمن. الخلية التي تعلم أنها مرصودة لا تنتظر اكتمال الدورة البيروقراطية بين جهازين، بل تتحرك وتختفي وتغير خططها. لهذا كانت الفجوة الزمنية بين الرصد والتنفيذ ثغرة استراتيجية حقيقية، لا مجرد إشكالية إدارية قابلة للتسامح.

قرار 2015 أغلق هذه الثغرة بتبسيط جذري: حين تكون الاستخبارات والشرطة تحت سقف قيادي واحد، تصبح المعلومة التي تُرصد في الساعة الأولى قابلة للتحول إلى إجراء ميداني في الساعة ذاتها، دون انتظار مراسلات أو موافقات أو تنسيق بين مرجعيتين.

عقيدة الاستباق: التفكيك قبل التشكّل

terrorism1

غير أن القيمة الحقيقية للمنظومة الداخلية المغربية لا تكمن فقط في سرعة التنفيذ، بل في فلسفة أعمق تحكم توقيت التدخل. معظم الأجهزة الأمنية في العالم تتدخل حين تكتمل الصورة وتتضح الأدلة وتصبح الخلية جاهزة للتنفيذ. المغرب اختار توقيتاً مختلفاً: التدخل في طور التشكّل، حين لا تزال الخلية مجرد أفراد تربطهم اتصالات مشبوهة ولم يحسموا بعد ما يريدون فعله.

هذا التوقيت المبكر له ثمنه القانوني لأن الأدلة في هذه المرحلة أقل وضوحاً، وله ثمنه الاستخباراتي لأن الكشف المبكر قد يُحرق مصادر بشرية كان يمكن الإبقاء عليها أطول. لكنه يحقق هدفاً لا يمكن تحقيقه بطريقة أخرى: إلغاء المخاطرة. الخلية التي تُفكَّك قبل أن تمتلك سلاحاً لا يمكنها إلحاق الأذى، مهما كانت نواياها. وهذا هو المبدأ الذي يفسر ما يصفه المراقبون الدوليون بـ”السجل الاستثنائي” للمغرب في منع الهجمات.

الاستخبارات البشرية هي العمود الفقري لهذه الفلسفة. القدرة على زرع مصادر داخل التشكيلات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، والحفاظ على هذه المصادر وإدارتها بمهنية عالية، هي ما يجعل التدخل المبكر ممكناً. وهذه القدرة لا تُبنى بالتكنولوجيا وحدها مهما تطورت، بل بالخبرة المتراكمة عبر عقود وبالثقة التي تمنحها المنظومة لعناصرها الميدانيين.

الأمن الوطني: أكثر من شرطة

المديرية العامة للأمن الوطني في المنظومة المغربية ليست قوة شرطية تقليدية تنتظر الجريمة لتتعامل معها. هي الذراع التنفيذية لمنظومة استخباراتية، وهذا يغير طبيعة تكوين عناصرها ومنهجية عملها وطريقة تفكيرها.

الشرطي التقليدي يتعامل مع الواقعة بعد وقوعها: جريمة، تحقيق، مشتبه به، ملف. الشرطي في المنظومة المغربية يعمل في بيئة معلوماتية تجعله جزءاً من سلسلة استباقية: معلومة، تحليل، رصد، تدخل. هذا الفارق في المنهجية هو ما يُترجم على الأرض فارقاً في النتائج.

terrorism3

يُضاف إلى ذلك البُعد الجغرافي المتمثل في منظومة الأمن القروي والحضري التي تمتد عبر كامل التراب الوطني. المغرب بلد متنوع التضاريس والمجتمعات، من المدن الكبرى المكتظة إلى المناطق الجبلية والصحراوية النائية. بناء حضور أمني فعال في هذه البيئات المتباينة يتطلب نموذجاً مرناً يجمع بين المركزية في القيادة واللامركزية في التنفيذ، وهو ما تحققه المنظومة القائمة.

الأمن الرقمي: الجبهة التي لا تنام

التهديدات التي تواجه الأمن الداخلي في القرن الحادي والعشرين لم تعد محدودة بالجغرافيا ولا بالأسلحة التقليدية. التجنيد يجري عبر تطبيقات مشفرة، التمويل يتحرك عبر عملات رقمية، التنسيق يتم في غرف مظلمة على الشبكة لا في مقاهٍ يمكن مراقبتها. هذا يعني أن الأمن الداخلي الحديث يحتاج قدرات سيبرانية لا تقل أهمية عن قدراته الميدانية.

المغرب استثمر في هذه القدرات بشكل ممنهج، وبنى وحدات متخصصة في مراقبة الفضاء الرقمي ورصد التواصل المشبوه وتتبع التمويل الإلكتروني. هذا الاستثمار لا يُعلَن عنه كثيراً بطبيعة الحال، لكن نتائجه تظهر في تفكيك خلايا كان تنسيقها يجري بالكامل عبر الفضاء الإلكتروني، وهو ما كان متعذراً على أجهزة لم تواكب هذا التحول الرقمي في طبيعة التهديد.

حين يكون المواطن شريكاً

terrorism2

ثمة بُعد في المنظومة الأمنية الداخلية المغربية يستحق التوقف عنده لأنه الأصعب في البناء والأقل قابلية للاستنساخ: علاقة الأجهزة الأمنية بالمجتمع.

في كثير من دول المنطقة، يرى المواطن الجهاز الأمني خصماً محتملاً لا شريكاً، مما يجعله يُحجم عن تقديم المعلومات حتى حين يمتلكها. هذا الحجب غير المعلن يُعطّل المنظومة من قاعدتها، لأن أكثر الاستخبارات البشرية قيمةً هي تلك التي تأتي طوعاً لا إكراهاً.

المغرب بنى على مدى عقود، بل قرون، نموذجاً للأمن القريب يقوم على الحضور المجتمعي للعنصر الأمني في الحي والقرية والسوق، لا على الاكتفاء بنقاط التفتيش والدوريات الرسمية. هذا الحضور يبني جسوراً من الثقة تجعل المواطن شريكاً طبيعياً في إنتاج الأمن. المعلومة التي يُبلَّغ عنها طوعاً من مواطن يثق في الجهاز الأمني تساوي أحياناً ما لا تستطيع تحقيقه أشهر من الرصد التقني.

هذه العلاقة بين الجهاز والمجتمع هي ما تُصعّب مهمة التنظيمات المتطرفة في إيجاد بيئة حاضنة داخل المجتمع المغربي. التنظيم الذي يحاول التجذر في حي شعبي أو منطقة هامشية يجد نفسه في بيئة تنظر إليه بريبة لا بتعاطف، وهذا يُقصر عمره التنظيمي بشكل حاد قبل أن يصله أي جهاز أمني.

الاختبار الأصعب: ما بعد داعش

المحك الحقيقي لأي منظومة أمنية ليس في الأوقات الهادئة بل في لحظات الضغط القصوى. وأقسى اختبار واجهه الأمن الداخلي المغربي كان موجة عودة المقاتلين من بؤر التوتر في سوريا والعراق وليبيا، حاملين معهم تدريباً قتالياً وشبكات تواصل وأيديولوجيا متصلبة.

terrorism4

هذا التحدي كان وجودياً لأجهزة أمنية كثيرة في المنطقة وفي أوروبا، وأسفر في أكثر من دولة عن موجات عنف داخلية مدمرة. المغرب تعامل معه بمقاربة مزدوجة: الجانب الأمني المتمثل في الرصد المبكر لكل العائدين وتقييم مستوى التهديد الفردي وبناء ملفات تفصيلية، والجانب الإدماجي المتمثل في برامج إعادة التأهيل والمتابعة النفسية والاجتماعية للحالات القابلة للإصلاح. هذه المقاربة المزدوجة منعت تحول العائدين إلى قنابل موقوتة وحوّلت بعضهم إلى مصادر معلومات ثمينة عن شبكات لا تزال نشطة.

المنظومة الأمنية الداخلية المغربية ليست نموذجاً مثالياً بلا ثغرات، فلا يوجد نموذج كذلك في عالم التهديدات المتطورة. لكنها منظومة تترجم نموذجا يقوم على عقيدة واضحة وهيكل مُحكم وفلسفة استباق لا تنتظر الجريمة بل تلاحق بذرتها. وهذا كافٍ لجعلها من أكثر المنظومات الأمنية الداخلية فاعلية في محيطها الإقليمي.

الحلقة القادمة ستنتقل إلى الجانب الآخر من المعادلة، الجهاز الذي يعمل في الصمت التام، ويُحقق نتائج تُقرأ على خرائط الاعتراف الدولي لا في بيانات الشرطة.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى