المملكة الشريفةالشأن الوطنيمختارات

سر الاستثناء الأمني المغربي (4): الأمن الخارجي – الجهاز الذي يعمل في الصمت ويُحقق في العلن

حين تقرأ عن تفكيك خلية إرهابية في الدار البيضاء أو توقيف شبكة تهريب في طنجة، تميل القراءة الأولى إلى إسناد الفضل كاملاً للأجهزة الداخلية التي نفّذت العملية وأعلنت عنها. لكن ثمة سؤال يطرحه كل محلل أمني محترف: من أين جاءت المعلومة الأولى؟ من رصد التهديد قبل أن يعبر الحدود؟ من تابع الشبكة في موريتانيا أو مالي أو ليبيا قبل أن تحاول الوصول إلى المغرب؟

الجواب في أغلب الأحيان يقود إلى جهاز لا يُصدر بيانات ولا يظهر في الصحف ولا يحتفل بنجاحاته على الملأ. المديرية العامة للدراسات والمستندات هي الجهاز الذي يزرع البذرة التي يحصدها غيره، ويرسم الخريطة التي يسير عليها غيره، ويفتح الأبواب التي يدخل منها غيره. غيابه عن الأضواء ليس ضعفاً بل هو طبيعة العمل الاستخباراتي الخارجي في أرقى صوره.

منطق الصمت

الفارق الجوهري بين الاستخبارات الداخلية والخارجية لا يكمن فقط في الجغرافيا، بل في فلسفة العمل برمّتها. الجهاز الداخلي يعمل في بيئة تخضع لسيادة الدولة، حيث يمكن الاعتقال والمراقبة والملاحقة القضائية. الجهاز الخارجي يعمل في بيئة لا سيادة له عليها، حيث أدواته الوحيدة هي الخفاء والذكاء والعلاقات. لهذا يكون الصمت في الاستخبارات الخارجية ليس اختياراً بل شرط بقاء: المصدر الذي يُكشف يُحرق، والعملية التي تُعلَن قبل اكتمالها تنهار، والجهاز الذي يتحدث كثيراً يفقد قدرته على العمل.

المديرية العامة للدراسات والمستندات بنت هويتها على هذا المنطق منذ تأسيسها. صمتها المؤسساتي ليس غموضاً بل احترافاً، وغيابها عن الإعلام ليس هامشية بل دليل على أن ما تفعله أكبر مما يمكن الإعلان عنه. نجاحاتها لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية بل بعدد التهديدات التي لم تصل، والمخططات التي أُجهضت قبل أن تتشكل، والأبواب الدبلوماسية التي فُتحت في الظلام قبل أن تُعلَن نتائجها في الضوء.

التغذية المعلوماتية: الخيط الخفي خلف النجاحات الداخلية

عودة إلى السؤال الذي فتحنا به هذه الحلقة: من أين تأتي المعلومة الأولى؟

terrorism5

التنظيمات المسلحة النشطة في منطقة الساحل والصحراء لا تنشأ وتتمدد وتُخطط في فراغ. لها شبكات تمويل تمتد عبر دول عدة، ولها قنوات تجنيد تعمل في مناطق الهشاشة من موريتانيا إلى النيجر، ولها خطوط إمداد بالسلاح تعبر الحدود الليبية والجزائرية والمالية. رصد هذه الشبكات في موطنها الأصلي قبل أن تُقرر استهداف المغرب هو ما يجعل التدخل الداخلي مبكراً وناجعاً.

حين تُفكَّك خلية في الرباط اتضح أنها على تواصل مع تنظيم في منطقة الساحل، فإن المعلومة التي قادت إلى هذا الكشف غالباً ما سبقت وصول الخلية إلى المغرب بأشهر. شخص ما كان يراقب في مكان آخر، وشبكة ما كانت مرصودة في منطقة أخرى، وخيط ما كان معروفاً قبل أن يمتد نحو الداخل المغربي. هذا الخيط هو ما تنسجه الاستخبارات الخارجية في صمت، وتسلّمه للأجهزة الداخلية في اللحظة المناسبة.

هذه التغذية المعلوماتية المتبادلة بين الجهازين هي ما يجعل المنظومة الأمنية المغربية أكثر من مجرد أجهزة متوازية. هي منظومة متكاملة يكمل بعضها بعضاً، تبدأ حيث يصل الرادار الخارجي وتنتهي حيث ينجح التدخل الداخلي.

الصحراء المغربية: حين تصبح الاستخبارات دبلوماسية

لكن الدور الأعمق والأكثر تأثيراً للمديرية الخارجية لا يكمن في الملف الأمني وحده، بل في توظيف قدراتها الاستخباراتية خدمةً للقضايا السيادية الكبرى. وفي مقدمة هذه القضايا قضية الصحراء المغربية التي تمثل الملف الوجودي الأول للمملكة.

Morocco Mali

الدبلوماسية الرسمية تعمل في الضوء: خطب في الأمم المتحدة، ومفاوضات في جنيف، وزيارات رسمية بين عواصم. لكن خلف هذه الدبلوماسية المرئية ثمة دبلوماسية أخرى لا تُصوَّر ولا تُسجَّل، تعمل على بناء الإقناع قبل التصويت، وتفهم الحسابات الداخلية للدول قبل أن تتخذ مواقفها العلنية، وتُقدّم الحجج المناسبة في اللحظة المناسبة للشخص المناسب.

الاستخبارات الخارجية هي التي تُذلّل الطريق أمام هذه الدبلوماسية غير المرئية. معرفة ما يقلق صانع القرار في دولة أفريقية، وما هي الضغوط التي يتعرض لها، وأين تكمن هشاشته السياسية وأين تكمن مصالحه الحقيقية، كل هذا يُحوّل النقاش من مجادلة قانونية مجردة حول تفسير قرارات الأمم المتحدة إلى حوار يلمس ما يهم الطرف الآخر فعلاً. وهذا ما يُفسّر جزءاً مهماً من موجة الاعترافات الدولية المتوالية بمغربية الصحراء التي تسارعت وتيرتها في السنوات الأخيرة.

سحب عدد متزايد من الدول الأفريقية اعترافاتها بالكيان الانفصالي لا يحدث بمجرد حسن النية أو قوة الحجة القانونية. يحدث حين تفهم دولة ما أن مصلحتها الحقيقية مع الرباط لا مع خصومها، وحين يصل هذا الفهم إلى أصحاب القرار فيها بالطريقة الصحيحة وفي التوقيت الصحيح. هذه هندسة دبلوماسية دقيقة لا تكتفي بالإعلان عن المواقف بل تصنع البيئة التي تجعل المواقف الإيجابية ممكنة.

القارة الأفريقية: ميدان الاستخبارات والنفوذ

أفريقيا جنوب الصحراء ليست مجرد عمق استراتيجي للمغرب، بل هي الميدان الذي تتبارى فيه قوى إقليمية ودولية على بناء النفوذ. في هذا الميدان، الاستخبارات الخارجية المغربية تعمل على مستويين متوازيين:

terrorism6

المستوى الأول أمني، يتمثل في شبكة من العلاقات مع أجهزة استخباراتية أفريقية تمكّن المغرب من تبادل المعلومات حول التنظيمات المسلحة ومسارات التهريب وشبكات التمويل. هذا التعاون الاستخباراتي البيني ليس مجاملة دبلوماسية بل حاجة أمنية متبادلة، تستفيد منه الدول الأفريقية التي تفتقر إلى القدرات التقنية الكافية، وتستفيد منه المغرب بتوسيع شبكة رصده إلى ما هو أبعد من حدوده المباشرة.

المستوى الثاني دبلوماسي سيادي، يتمثل في تحويل العلاقات التي بنتها الاستخبارات إلى رصيد دبلوماسي تستثمره الدولة في المحافل الدولية. الدولة التي تثق في الاستخبارات المغربية وتتعاون معها أمنياً هي دولة أكثر استعداداً للاصطفاف مع المغرب في التصويتات الأممية والمنظمات القارية. الأمن يفتح الباب، والدبلوماسية تدخل من خلفه.

الشراكات الدولية: مصدر ثقة لا تشتريه بالمال

ثمة بُعد آخر لدور الاستخبارات الخارجية المغربية يتجاوز المنطقة الأفريقية ليصل إلى علاقة المغرب مع القوى الكبرى. الشراكات الاستخباراتية مع الأجهزة الغربية لم تُبنَ على التحالفات السياسية وحدها، بل على سجل طويل من تبادل المعلومات الموثوقة في الوقت المناسب.

الجهاز الذي يُقدّم معلومة دقيقة تُمكّن شريكه من إحباط عملية في باريس أو مدريد يبني رصيداً من الثقة لا يمكن شراؤه بأي ميزانية دبلوماسية. وهذا الرصيد يتحول بدوره إلى نفوذ حقيقي في المفاوضات السياسية وفي اللحظات التي يحتاج فيها المغرب إلى دعم دولي في ملفاته السيادية. الاستخبارات الخارجية في هذا السياق ليست مجرد أداة أمنية بل رأسمال دبلوماسي يتراكم بصمت ويُستثمر في اللحظة المناسبة.

الاستمرارية: سر القوة الأعمق

Mansouri 1
محمد ياسين المنصوري

ما يُعطي المديرية الخارجية المغربية ثقلها الحقيقي ليس فقط قدراتها التقنية أو شبكة علاقاتها، بل استمرارية قيادتها. فمنذ السادس عشر من فبراير 2005، يقود محمد ياسين المنصوري المديرية العامة للدراسات والمستندات دون انقطاع، في السنة ذاتها التي عُيّن فيها عبد اللطيف الحموشي على رأس الأمن الوطني. عقدان من الاستقرار القيادي في جهازين محوريين، وهو رقم يبدو مألوفاً في المغرب لكنه استثنائي بمعايير المنطقة.

في عالم الاستخبارات الخارجية، الاستمرارية ليست رفاهية إدارية بل ضرورة وظيفية. بناء شبكة من المصادر والعلاقات والثقة المتبادلة يستغرق سنوات طويلة، ومغادرة القيادة تعني في الغالب فقدان جزء من هذا الرصيد الإنساني الذي لا يُنقل في الملفات. وتكفي المقارنة بالجار الشرقي لإدراك حجم هذا الفارق: في الفترة ذاتها التي قاد فيها المنصوري الاستخبارات الخارجية المغربية، تعاقب على رأس نظيرتها الجزائرية عشرة مسؤولين، بمعدل مسؤول كل سنتين تقريباً، في سلسلة من الإقالات والتبادل في المناصب وصفتها تقارير متخصصة بـ”اللاستقرار المزمن”. جهاز يبدأ من الصفر في كل مرة لا يراكم، وجهاز لا يراكم لا يبني شبكة، وجهاز بلا شبكة لا يُنتج استخباراتٍ بل يُعيد اختراع العجلة.

الاستمرارية في الرباط في مقابل التقلب في الجزائر ليست مجرد فارق إداري، بل هي فارق استراتيجي يتراكم أثره سنةً بعد سنة في عمق الشبكات وجودة المعلومة وحجم النفوذ.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى