
سر الاستثناء الأمني المغربي (5): حين تلتقي عراقة المخزن بحداثة الاستخبارات
ثمة سؤال يطرحه كل باحث أجنبي يدرس النموذج الأمني المغربي عاجلاً أم آجلاً: ما الذي يجعل هذا النموذج مختلفاً عن غيره من النماذج التي تمتلك أجهزة مماثلة وميزانيات مقاربة وتدريباً على يد الشركاء الغربيين ذاتهم؟ لماذا تنجح المنظومة المغربية حيث تتعثر نظيراتها؟
الجواب لا يكمن في التكنولوجيا ولا في الهياكل التنظيمية وحدها، بل في شيء أعمق وأصعب استنساخاً: تراكم تاريخي ممتد لقرون أفرز ثقافة مؤسساتية فريدة، التقت فيها عراقة المخزن بمتطلبات الدولة الحديثة لتُنتج نموذجاً لا يشبه غيره. فهم هذا التلاقي هو مفتاح فهم ما يسميه المحللون الدوليون بـ”الاستثناء المغربي”.
جدول المحتويات
الأمن الشامل: منظومة بخمسة أبعاد
أشرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة إلى أن المنظومة الأمنية المغربية لا تعمل في بُعد واحد بل في خمسة أبعاد متشابكة تُشكّل معاً ما يمكن تسميته بـ”الأمن الشامل”. وقد رأينا في الحلقات التالية كيف تجلّت ثلاثة من هذه الأبعاد في عمل الأجهزة: الأمن الميداني الاستباقي الذي يفكك الخلية قبل أن تتشكل، والأمن السيبراني الذي يواجه التهديدات الرقمية بأدوات رقمية مماثلة، والأمن التنموي الذي يرى في الهشاشة الاجتماعية خطراً أمنياً لا مجرد مشكلة اقتصادية. غير أن بُعدين من هذه المنظومة يستحقان وقفة تفصيلية لأنهما الأكثر أصالةً والأصعب استنساخاً: الأمن الروحي والأمن المواطن. وفهمهما معاً هو ما يفسر لماذا يبقى النموذج المغربي نموذجاً يُحتذى لا نموذجاً يُستنسخ.
لكن قبل الدخول في هذين البُعدين، لا بد من فهم الأرضية التي نبتا منها، وهي أرضية لا تجدها في أي كتاب تدريبي للأجهزة الأمنية الحديثة.
المخزن: دولة قبل أن توجد الدولة الحديثة

حين يُذكر المخزن في السياق الأمني، كثيراً ما يُساء فهمه على أنه مجرد مصطلح تاريخي للإدارة المركزية أو مرادف للسلطة التقليدية. لكن المخزن في حقيقته نظام حوكمة متكامل تطور على مدى قرون، وطوّر في سياقه أدوات للرصد الاجتماعي وإدارة التوازنات القبلية والجهوية والتعامل مع التهديدات الداخلية والخارجية، قبل أن تُخترع مفاهيم الاستخبارات الحديثة بوقت طويل.
الإدارة الترابية المغربية الممتدة من القائد إلى الشيخ إلى المقدم ليست بقايا أثرية من حقبة ما قبل الاستقلال، بل هي شبكة رصد اجتماعي حية تغطي كامل التراب الوطني بكثافة لا تستطيع أي تكنولوجيا مراقبة تعويضها. هذه الشبكة تعرف من يسكن في كل بيت، ومن غاب عن الحي فجأة، ومن بدّل سلوكه أو تغيّرت أحواله المالية أو توسّعت علاقاته بوجوه غريبة. هي رادار اجتماعي ناعم يعمل في صمت ويُغذّي المنظومة الأمنية بمعلومات لا تستطيع الكاميرات ولا الخوارزميات رصدها.
ما فعله المغرب الحديث هو أنه لم يتخلَّ عن هذا الإرث بحجة التحديث، بل دمجه في منظومة الدولة الحديثة وجعله يعمل جنباً إلى جنب مع الأجهزة التقنية المتطورة. النتيجة هي طبقات متراكبة من الرصد تجعل الإفلات من شبكة المنظومة الأمنية أمراً بالغ الصعوبة، وتجعل التنظيمات المتطرفة التي تحاول التجذر في المجتمع المغربي تجد نفسها في مواجهة رقابة اجتماعية سابقة لأي رقابة رسمية.
الأمن الروحي: حين تكون المرجعية الدينية درعاً استراتيجية

البُعد الأول من بُعدَي الفرادة هو الأمن الروحي، وهو مفهوم لا يوجد له نظير حقيقي في أي منظومة أمنية إقليمية أخرى. معظم الدول حين تواجه التطرف الديني تتعامل معه كتهديد أمني تواجهه بأدوات أمنية: اعتقال، ومراقبة، وتفكيك خلايا. المغرب يفعل ذلك أيضاً، لكنه يضيف إليه بُعداً وقائياً يعمل في طبقة أعمق بكثير: طبقة الوجدان الجمعي.
مؤسسة إمارة المؤمنين تمنح الملك صفة دينية تجعله مرجعاً عقدياً أعلى من أي مرجعية دينية موازية أو منافسة. هذا ليس مجرد لقب بروتوكولي بل هو سلاح استراتيجي في مواجهة التطرف. حين يُريد تنظيم متطرف تجنيد شاب مغربي، يجد نفسه في مواجهة مرجعية دينية راسخة تسبقه إلى عقل هذا الشاب وتحتل مساحته الروحية قبل أن يصل إليه. التطرف يحتاج فراغاً دينياً ليملأه، وإمارة المؤمنين تحرمه من هذا الفراغ.
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، الذي تأسس عام 2015 في الرباط، هو التجسيد المؤسساتي لهذه الفلسفة. المعهد لا يُكوّن أئمة فحسب، بل يُنتج حُرّاساً للحقل الديني يعملون بمنهج يجمع بين الأصالة الدينية والوعي بالتحديات المعاصرة وأدوات التعرف على خطاب التطرف ومناهضته. وما يمنح هذا المعهد ثقله الاستراتيجي الإضافي هو أنه لا يخدم المغرب وحده، بل يستقطب أئمة من دول أفريقية وأوروبية تعاني من فراغ في إدارة الشأن الديني. الدولة التي تُرسل أئمتها إلى الرباط لتكوينهم تستورد معها نموذجاً للأمن الروحي يُقلّص البيئة الحاضنة للتطرف على أراضيها، وهو ما يجعل المعهد في الوقت ذاته عملاً تربوياً وأمنياً ودبلوماسياً.
الثمرة الميدانية لهذا البُعد الروحي ليست نظرية. المغرب هو البلد الذي أفرز نسبة مرتفعة من المقاتلين الأجانب في صفوف التنظيمات المتطرفة خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2016، وهو ما يبدو للوهلة الأولى متناقضاً مع ادعاء الأمن الروحي. لكن المفارقة تنحل حين نُدرك أن أغلب هؤلاء المقاتلين كانوا مهاجرين في أوروبا، لا مقيمين في المغرب، أي أنهم غادروا مظلة الأمن الروحي الذي يوفره المغرب داخل حدوده وانكشفوا على فراغ ديني في مجتمعات الاستقبال لم تملأه مؤسسات موازية.
الأمن المواطن: حين يصبح المجتمع شريكاً لا مستهدَفاً
البُعد الثاني من بُعدَي الفرادة هو الأمن المواطن، وهو الأصعب في البناء والأقل قابلية للاستنساخ لأنه لا يقوم على قرار إداري بل على ثقة متراكمة.
في كثير من دول المنطقة، العلاقة بين المواطن والجهاز الأمني علاقة ريبة متبادلة. المواطن يرى الجهاز الأمني مصدر تهديد محتمل لا مصدر حماية، مما يجعله يُحجم عن تقديم المعلومات حتى حين يمتلكها. هذا الحجب غير المعلن يُعطّل المنظومة من قاعدتها لأن أكثر الاستخبارات البشرية قيمةً هي تلك التي تأتي طوعاً لا إكراهاً.
المغرب بنى على مدى سنوات نموذجاً للأمن القريب يقوم على الحضور المجتمعي للعنصر الأمني في الحي والقرية والسوق، لا على الاكتفاء بنقاط التفتيش والدوريات الرسمية. هذا الحضور يبني جسوراً من الثقة تجعل المواطن شريكاً طبيعياً في إنتاج الأمن لا مجرد خاضع للحماية. المعلومة التي يُبلَّغ عنها طوعاً من مواطن يثق في الجهاز الأمني تساوي أحياناً ما لا تستطيع تحقيقه أشهر من الرصد التقني، وهي معلومة لا تجدها في قاعدة بيانات ولا تُنتجها خوارزمية.
هذه العلاقة بين الجهاز والمجتمع هي ما تُصعّب مهمة التنظيمات المتطرفة في إيجاد بيئة حاضنة داخل المجتمع المغربي. التنظيم الذي يحاول التجذر في حي شعبي أو منطقة هامشية يجد نفسه في بيئة تنظر إليه بريبة قبل أن يصل إليه أي جهاز أمني.
التحديث بلا قطيعة: المعادلة الصعبة

ما يميز التجربة المغربية في بناء منظومتها الأمنية هو قدرتها على التحديث دون قطيعة مع الموروث. كثير من دول المنطقة حين أرادت بناء أجهزة أمنية حديثة استنسخت نماذج جاهزة من الخارج دون أن تُكيّفها مع سياقها المحلي، فجاءت أجهزة تعمل بمنطق غريب عن البيئة التي تعمل فيها وتفتقر إلى الجذور الاجتماعية التي تمنح العمل الأمني فاعليته الحقيقية.
المغرب سلك مساراً مختلفاً: أخذ من الحداثة تقنياتها وهياكلها ومناهج تدريبها، وأبقى من الموروث شبكاته الاجتماعية ومرجعيته الروحية وثقافته المؤسساتية المتراكمة. الناتج هو منظومة تعمل بأدوات القرن الحادي والعشرين وجذور القرن العاشر، وهو توليف لا تستطيع أي وصفة تحديثية جاهزة إنتاجه.
الاستثناء المغربي في مواجهة نماذج الاستيراد
حين تزور الرباط وفود أمنية أفريقية أو عربية تريد الاستفادة من التجربة المغربية، تصطدم دائماً بحقيقة مربكة: ما يمكن نقله محدود. يمكن نقل الهياكل التنظيمية والبرامج التدريبية والتشريعات وبروتوكولات التنسيق بين الأجهزة. لكن ما لا يمكن نقله هو الأهم: الإدارة الترابية المتجذرة في النسيج الاجتماعي، والمرجعية الدينية التي تسبق أي تنظيم متطرف إلى الوجدان الجمعي، والثقة المتراكمة بين المواطن والدولة على مدى أجيال، والشرعية التاريخية للكيان الوطني التي لا تُبنى في عقد.
هذا ما يجعل النموذج المغربي نموذجاً يُحتذى لا نموذجاً يُستنسخ. الدرس الذي يمكن استخلاصه ليس “افعل ما فعله المغرب” بل “ابنِ منظومتك من جذورك أنت، لا من وصفات الآخرين”. وهذا الدرس بالذات هو ما ستتناوله الحلقة الختامية حين نتساءل: ماذا يمكن للمغرب أن يقدمه لقارته فعلاً، وما حدود هذا التقديم؟



