دراسات دوليةمختارات

بين النار والدبلوماسية: مسارات التفاوض اللبناني–الإسرائيلي في ظل اختلال موازين القوة

مقدمة

تُعدّ المفاوضات بين لبنان وإسرائيل واحدة من أكثر ملفات النزاع تعقيداً في منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب الطبيعة التاريخية للصراع بين الطرفين، بل أيضاً بسبب تشابك الأبعاد الإقليمية والدولية والمحلية فيه. فالعلاقة بين البلدين لم تتطور في إطار دبلوماسي طبيعي قائم على الاعتراف المتبادل والاستقرار السياسي، بل نشأت ضمن سياق صراعي ممتد منذ إعلان قيام الدولة الإسرائيلية سنة 1948، وما تلاه من حروب وتحولات استراتيجية أعادت تشكيل البيئة الأمنية في شرق المتوسط. ولعل فهم هذا المسار يقتضي استحضار السياق الأوسع للصراع العربي–الإسرائيلي وتطور آليات التفاوض في النزاعات الدولية، ويمكن فهم هذا السياق بشكل أعمق من خلال الإطار النظري لموازين القوة في العلاقات الدولية، كما هو متداول في أدبيات العلاقات الدولية ونظريات التفاوض، والتي تؤكد أن سلوك الدول في المفاوضات يتحدد بدرجة كبيرة وفق توازنات القوة والقدرة على التأثير.

وتكتسب هذه المفاوضات خصوصيتها من كونها لا تجري بين دولتين فقط، بل ضمن بيئة معقدة تتداخل فيها قوى دولية وإقليمية، إضافة إلى وجود فاعلين غير دولتيين مؤثرين، وعلى رأسهم حزب الله، الذي أصبح جزءاً أساسياً من معادلة الردع والتفاوض.

وتنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها:
إلى أي مدى يمكن للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل أن تحقق نتائج حقيقية في ظل اختلال موازين القوة وغياب أوراق الضغط الكافية لدى أحد الطرفين؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، يعتمد البحث على مقاربة تاريخية–تحليلية تجمع بين تتبع تطور العلاقة بين الطرفين، وتحليل أدوات التفاوض، وفهم موازين القوة المؤثرة في مسار التسوية.

im

أولاً: أصول التفاوض بين الدول ومبادئه الأساسية

يُعدّ التفاوض أحد الركائز الجوهرية في بنية العلاقات الدولية المعاصرة، بل يمكن اعتباره الأداة الأكثر اعتماداً في إدارة النزاعات وتسويتها بين الدول في ظل تراجع منطق الحرب المباشرة لصالح منطق الدبلوماسية وإدارة المصالح، وهو ما يُناقش ضمن الإطار النظري العام الذي ستتوسع فيه هذه الدراسة لاحقاً في محور مفهوم التفاوض الدولي وتطوره في العلاقات الدولية.

وقد تطور التفاوض من مجرد ممارسة سياسية ظرفية إلى حقل معرفي مستقل داخل دراسات العلاقات الدولية، يستند إلى مناهج تحليلية متعددة تجمع بين علم السياسة والاقتصاد السياسي وعلم النفس السياسي ودراسات الأمن والاستراتيجية. ويكتسب هذا التطور أهميته من كونه يرتبط مباشرة بمسألة موازين القوة في العلاقات الدولية بوصفها المحدد الأساسي لسلوك الدول في البيئة الدولية.

ويقوم الفهم الحديث للتفاوض الدولي على كونه عملية تفاعلية مركبة بين أطراف فاعلة، لكل منها تصوراتها الخاصة حول مصالحها وأهدافها وحدودها التنازلية، ما يجعل التفاوض في جوهره عملية إدارة منظمة للتباين وليس إلغاؤه. كما يرتبط نجاحه بمدى قدرة الأطراف على قراءة موازين القوة، واستثمار عناصر الضغط والتأثير، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية المتاحة، وهي عناصر سيتم التطرق إليها لاحقاً عند تحليل استراتيجيات إدارة النزاعات الدولية.وفي هذا السياق، يقوم التفاوض الدولي على مجموعة من المبادئ الأساسية المتداخلة:

1. الاعتراف بوجود مصالح متعارضة

تنطلق العملية التفاوضية من فرضية أساسية مفادها أن الأطراف المعنية لا تدخل في التفاوض من موقع التطابق، بل من موقع الاختلاف في المصالح والرؤى. فكل دولة تسعى إلى تعظيم مكاسبها الوطنية سواء في بعدها السياسي أو الاقتصادي أو الأمني أو الجيوستراتيجي. وهذا التعارض لا يُعدّ عائقاً بقدر ما يشكل الدافع البنيوي لبدء العملية التفاوضية واستمرارها، حيث يصبح الهدف هو تنظيم هذا التباين بدل إلغائه.

2. تقليل كلفة الصراع

يشكل منطق تقليل الكلفة أحد المحركات المركزية للتفاوض، إذ تدرك الدول أن استمرار النزاع المفتوح يترتب عليه استنزاف متعدد الأبعاد: بشرية، واقتصادية، وأمنية، وحتى دبلوماسية. لذلك يُنظر إلى التفاوض كخيار عقلاني يهدف إلى تجنب التصعيد، والحد من مخاطر الانزلاق نحو المواجهة العسكرية أو الفوضى الإقليمية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الضروري لاستمرار المصالح الحيوية، وهو ما يتقاطع مع مفهوم الدبلوماسية الوقائية وتسوية النزاعات.

3. البحث عن حلول وسط (التسويات التفاوضية)

غالباً ما تُفضي المفاوضات الدولية إلى حلول توافقية لا تحقق انتصاراً مطلقاً لأي طرف، وإنما تقوم على منطق “الربح النسبي”. وتكمن أهمية هذا المبدأ في أنه يسمح ببناء أرضية مشتركة تحفظ توازن المصالح وتمنع انهيار العملية التفاوضية. كما أن الحلول الوسط غالباً ما تكون أكثر قابلية للاستدامة مقارنة بالحلول المفروضة بالقوة، لأنها تستند إلى قدر من القبول المتبادل، ولو كان محدوداً.

4. مركزية القوة في العملية التفاوضية

لا يمكن فهم التفاوض الدولي بمعزل عن عنصر القوة، إذ تظل القوة بمختلف تجلياتها—العسكرية، الاقتصادية، الديموغرافية، التكنولوجية، وحتى الرمزية والقانونية—عاملاً حاسماً في تحديد سقف المطالب التفاوضية وقدرة كل طرف على فرض شروطه أو تعديل مواقف الأطراف الأخرى. فالتفاوض ليس عملية متكافئة بالضرورة، بل هو انعكاس دقيق لموازين القوة القائمة في النظام الدولي، وهو ما يُعد محوراً مركزياً في تحليل النظام الدولي المعاصر وتحولات القوة.

5. دور الوسطاء الدوليين في تسوية النزاعات

في كثير من النزاعات المعقدة، خاصة تلك التي تتسم بتراكم تاريخي وانعدام الثقة بين الأطراف، يصبح تدخل الوسطاء الدوليين ضرورة عملية لتيسير الحوار. ويقوم الوسيط بدور تقني وسياسي في آن واحد يتمثل في تقريب وجهات النظر وتقديم مقترحات تسوية وتخفيف حدة الخطاب التصعيدي. وغالباً ما تلعب المنظمات الدولية أو الدول ذات النفوذ دوراً محورياً في هذا السياق، مستفيدة من موقعها المحايد أو من قدرتها على التأثير في الأطراف المتنازعة، وهو ما يرتبط بدراسة الوساطة الدولية ودور الأمم المتحدة في إدارة النزاعات.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن التفاوض الدولي لا يُختزل في كونه إجراءً تقنياً محايداً، بل هو عملية سياسية مركبة تعكس توازنات القوى القائمة وتُترجم من خلالها المصالح الاستراتيجية للدول. فهو في نهاية المطاف ليس مجرد أداة لحل النزاعات، بل أيضاً وسيلة لإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل النظام الدولي بصورة سلمية نسبياً، وفق ما تسمح به حدود القوة والإرادة السياسية للأطراف المعنية.

ثانياً: نظرة تاريخية على التفاوض بين لبنان وإسرائيل

تُعدّ العلاقة بين لبنان وإسرائيل نموذجاً مركباً في العلاقات الدولية، حيث يتداخل فيها البعد التاريخي بالصراع العسكري، ويتقاطع فيها المحلي بالإقليمي والدولي. وقد نشأت هذه العلاقة في سياق قيام دولة إسرائيل سنة 1948، وما ترتب عنه من حرب عربية–إسرائيلية أولى شارك فيها لبنان ضمن الجبهة العربية، الأمر الذي وضع البلدين منذ البداية في حالة عداء قانوني وسياسي وعسكري.

1. اتفاقية الهدنة 1949

في أعقاب الحرب العربية–الإسرائيلية الأولى، تم التوصل إلى اتفاقية الهدنة سنة 1949 برعاية الأمم المتحدة، لتكون أول إطار تفاوضي رسمي بين لبنان وإسرائيل. وقد جاءت هذه الاتفاقية في سياق دولي يسعى إلى احتواء التصعيد العسكري وإرساء حد أدنى من الاستقرار في المنطقة، وهو ما يرتبط بمفهوم الدور الدولي في إدارة وتسوية النزاعات.

ورغم أنها لم ترقَ إلى مستوى معاهدة سلام شاملة، فإنها أدت إلى نتائج عملية مهمة، من أبرزها وقف العمليات العسكرية المباشرة بين الطرفين، وتحديد خطوط الفصل بشكل مؤقت، إضافة إلى تنظيم الوضع الحدودي. غير أن هذا الإطار ظل هشاً لأنه لم يعالج الجذور السياسية العميقة للصراع، وعلى رأسها قضية فلسطين، ما يجعله أقرب إلى “تجميد للنزاع” منه إلى تسوية نهائية، وهو نموذج يتكرر في حالات عدة ضمن دراسة التسويات الجزئية في العلاقات الدولية.

2. مرحلة الصراع الفلسطيني داخل لبنان

ابتداءً من ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، دخلت العلاقة اللبنانية–الإسرائيلية مرحلة جديدة من التعقيد، مع تحوّل الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، خصوصاً بعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان.

هذا التحول البنيوي أعاد تشكيل معادلة الأمن في الجنوب اللبناني، حيث تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية مقابل تنامي حضور الفصائل الفلسطينية المسلحة. كما أدى ذلك إلى تآكل سلطة الدولة اللبنانية في بعض المناطق، ما جعل لبنان ساحة صراع بالوكالة أكثر منه طرفاً تفاوضياً مباشراً، وهو ما يرتبط بمفهوم تعدد الفاعلين في النزاعات الدولية وتأثيره على مسارات التفاوض.

وفي هذا السياق، تراجعت إمكانيات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، بسبب تشابك الفاعلين المسلحين وتعدد مراكز القرار، ما جعل أي مسار تفاوضي رهيناً بالتوازنات الإقليمية لا بالإرادة الثنائية فقط.

3. اجتياح 1982 واتفاق 17 مايو

شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع، حيث وصلت القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت في إطار عملية عسكرية واسعة هدفت إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في لبنان.

وفي أعقاب هذا الاجتياح، جرت مفاوضات مباشرة أفضت إلى توقيع اتفاق 17 مايو 1983، الذي سعى إلى تنظيم العلاقة الأمنية وإرساء ترتيبات جديدة في الجنوب اللبناني، وهو مثال على التفاوض الذي يتم تحت ضغط القوة العسكرية، كما تمت مناقشته في محور مركزية القوة في العملية التفاوضية.

غير أن هذا الاتفاق لم يُكتب له الاستمرار، إذ انهار نتيجة رفض داخلي واسع وغياب إجماع وطني، إضافة إلى اعتراضات إقليمية ودولية. ويُظهر هذا الفشل أن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى شرعية داخلية وتوازن إقليمي داعم يظل هشاً وقابلاً للانهيار.

4. مرحلة المقاومة والتحرير (1982–2000)

ابتداءً من منتصف الثمانينيات، دخل الصراع مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد المواجهة بين إسرائيل وقوى المقاومة، وفي مقدمتها حزب الله، ما أدى إلى تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة حرب استنزاف طويلة الأمد.

هذه المرحلة اتسمت بارتفاع الكلفة العسكرية والبشرية والسياسية للوجود الإسرائيلي، وتزايد صعوبة الحفاظ على المواقع العسكرية في الجنوب. وقد انتهت هذه الدينامية بانسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية الجنوبية سنة 2000 دون اتفاق سلام مباشر، وهو ما يُعد حالة تطبيقية لمفهوم إعادة تشكيل موازين القوة خارج إطار التفاوض الرسمي.

ويُبرز هذا التحول أن الفاعلين غير النظاميين يمكنهم، ضمن استراتيجيات طويلة المدى، التأثير في حسابات القوة وإعادة تعريف شروط الصراع حتى في غياب التفاوض المباشر.

5. حرب 2006 وقرار 1701

في عام 2006، اندلعت مواجهة عسكرية واسعة بين إسرائيل وحزب الله، انتهت بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي شكل إطاراً دولياً لوقف الأعمال القتالية وإعادة الاستقرار النسبي إلى الجنوب اللبناني.

وقد نص القرار على وقف إطلاق النار، وتعزيز انتشار القوات الدولية (اليونيفيل)، ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطته جنوب الليطاني، إضافة إلى آليات لضبط الحدود ومنع التصعيد، وهو ما يندرج ضمن مفهوم إدارة الأزمات الدولية عبر المؤسسات متعددة الأطراف.

غير أن هذا القرار، رغم أهميته، لم يؤدِ إلى تسوية سياسية نهائية، بل أسس لمرحلة “تهدئة غير مستقرة”، ما يعكس طبيعة التوازنات الهشة في هذا الملف.

6. مفاوضات ترسيم الحدود البحرية

بين عامي 2020 و2022، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل تطوراً نوعياً عبر مفاوضات غير مباشرة برعاية الولايات المتحدة، أفضت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط.

وقد مثّل هذا الاتفاق نموذجاً للتفاوض التقني المحدود، حيث جرى فصل الملف الاقتصادي–الطاقي عن الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيداً، وهو ما يعكس مقاربة تجزئة الملفات في إدارة النزاعات الدولية.

كما عكس الاتفاق قدرة الأطراف على إدارة خلافات شديدة الحساسية ضمن إطار براغماتي يهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية مشتركة دون الذهاب إلى تطبيع سياسي شامل، ما يؤكد أن التفاوض الجزئي ممكن حتى في سياقات الصراع المزمن.

وتُظهر المسارات التاريخية للعلاقة اللبنانية–الإسرائيلية أن التفاوض لم يكن خطاً مستقيماً نحو التسوية، بل مساراً متقطعاً تحكمه التحولات العسكرية وتغير موازين القوة والتدخلات الدولية. كما يتضح أن هذه الحالة تمثل نموذجاً عملياً لفهم التفاعل بين القوة، والوساطة الدولية، والتسويات الجزئية في بيئات الصراع المعقدة.

IMAGE 1

ثالثاً: آليات التفاوض بين لبنان وإسرائيل

تتميّز المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بخصوصية كبيرة مقارنة بالعديد من نماذج التفاوض الدولية الأخرى، وذلك بسبب استمرار حالة العداء بين الطرفين منذ قيام إسرائيل سنة 1948، وغياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية، فضلاً عن تعقيدات البيئة الإقليمية والأمنية المحيطة بهما. وقد أدى ذلك إلى بلورة مجموعة من الآليات التفاوضية الخاصة التي تحكم مسار الحوار بين الجانبين.

1. التفاوض غير المباشر بدل اللقاء المباشر

يُعدّ التفاوض غير المباشر السمة الأساسية للعلاقات التفاوضية بين لبنان وإسرائيل. فالحكومات اللبنانية المتعاقبة ترفض مبدأ التفاوض السياسي المباشر الذي قد يُفهم منه الاعتراف أو التطبيع، ولذلك تُجرى المفاوضات عبر وسطاء دوليين أو من خلال الأمم المتحدة.

وقد ظهر هذا النمط بوضوح في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، حيث كان الوسيط ينقل المقترحات والمواقف بين الطرفين دون عقد جلسات تفاوض مباشرة، وهو ما يرتبط بمفهوم إدارة النزاعات عبر القنوات غير المباشرة في أدبيات العلاقات الدولية.

ويعكس هذا الأسلوب محاولة التوفيق بين ضرورات إدارة النزاع وتحقيق المصالح الوطنية من جهة، والحفاظ على المواقف السياسية المعلنة من جهة أخرى.

2. الوساطة الدولية كأداة أساسية لإدارة التفاوض

نظراً لانعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين، لعبت الوساطة الدولية دوراً محورياً في جميع جولات التفاوض تقريباً. فقد اضطلعت الأمم المتحدة بدور مهم في متابعة اتفاق الهدنة لعام 1949 والإشراف على الخط الأزرق بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سنة 2000، كما برزت الولايات المتحدة باعتبارها الوسيط الأكثر تأثيراً، خاصة في ملف ترسيم الحدود البحرية.

وتكمن أهمية الوسيط الدولي في توفير قنوات اتصال موثوقة، وتقديم مقترحات تسوية، وتقريب وجهات النظر، إضافة إلى تقديم ضمانات سياسية وأمنية، وهو ما يندرج ضمن مفهوم الوساطة الدولية كآلية لتخفيف حدة الصراع.

كما أن وجود طرف ثالث يساهم في تخفيف التوترات ويمنع انهيار المفاوضات عند بروز الخلافات، خصوصاً في النزاعات عالية الحساسية.

3. الطابع التقني للتفاوض بدل الطابع السياسي

غالباً ما تتركز المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية على قضايا تقنية محددة، مثل ترسيم الحدود البرية والبحرية، وآليات وقف إطلاق النار، وتنظيم استغلال الموارد الطبيعية، بدلاً من التطرق إلى الملفات السياسية الكبرى المرتبطة بالصراع العربي–الإسرائيلي.

ويعود ذلك إلى إدراك الطرفين لصعوبة التوصل إلى اتفاقات سياسية شاملة، لذلك يتم اعتماد مقاربة تقنية براغماتية، وهو ما يتقاطع مع مفهوم التفاوض القطاعي في إدارة النزاعات المعقدة.

وقد ساهم هذا النهج في إنجاز اتفاق ترسيم الحدود البحرية سنة 2022، الذي ركّز على الجوانب القانونية والفنية دون الدخول في قضايا التطبيع أو السلام الشامل، ما يعكس فعالية “التجزئة الوظيفية” في التفاوض.

4.تجزئة الملفات التفاوضية

من السمات البارزة أيضاً اعتماد مبدأ “تجزئة الملفات”، حيث يتم التعامل مع كل قضية على حدة بدلاً من ربط جميع القضايا ضمن مفاوضات شاملة.

فملف الحدود البرية يُناقش بصورة مستقلة عن ملف الحدود البحرية، كما تُفصل القضايا الأمنية عن القضايا الاقتصادية أو الطاقية. وتُعرف هذه المقاربة في أدبيات التفاوض باسم النهج التدريجي (Incremental Approach).

وتسمح هذه الآلية بتقليص حجم الخلافات في كل جولة تفاوضية، وزيادة فرص تحقيق نتائج جزئية ملموسة، بدل انتظار تسوية شاملة قد تكون بعيدة المنال في ظل تعقيد النزاع.

5. أولوية الاعتبارات الأمنية

رغم الطابع التقني لبعض المفاوضات، فإن البعد الأمني يبقى حاضراً بقوة في جميع مراحل التفاوض. فالقضايا الحدودية، وحرية الحركة العسكرية، ومنع الاحتكاكات المسلحة، وآليات مراقبة وقف إطلاق النار، كلها تشكل عناصر أساسية في الحسابات التفاوضية للطرفين.

لذلك غالباً ما ترافق المفاوضات ترتيبات أمنية تشرف عليها الأمم المتحدة أو أطراف دولية أخرى، وهو ما يرتبط بمفهوم إدارة الأمن في مناطق النزاع عبر الترتيبات متعددة الأطراف.

وتكشف آليات التفاوض بين لبنان وإسرائيل عن نموذج تفاوضي خاص يقوم على التفاوض غير المباشر، والاعتماد المكثف على الوساطة الدولية، والتركيز على الجوانب التقنية، وتجزئة الملفات الخلافية، مع حضور دائم للاعتبارات الأمنية.

ويعكس هذا النموذج حالة انعدام الثقة السياسية واستمرار النزاع البنيوي بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه يبرهن على أن التفاوض يمكن أن يظل أداة فعالة لإدارة الأزمات وتقليل احتمالات التصعيد حتى في غياب السلام الشامل أو العلاقات الدبلوماسية الطبيعية، وهو ما يؤكد ما تم التمهيد له في الإطار النظري حول التفاوض كأداة لإدارة الصراع وليس فقط لحله.

رابعاً: أوراق القوة التفاوضية بين لبنان وإسرائيل

تُعدّ موازين القوة من أهم العوامل المؤثرة في أي عملية تفاوضية، إذ تحدد قدرة الأطراف على الدفاع عن مصالحها وتحسين شروط التفاوض أو فرض بعض المطالب. وفي حالة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يتضح وجود تفاوت كبير في عناصر القوة التقليدية بين الطرفين، إلا أن ذلك لا يلغي امتلاك كل طرف لأوراق ضغط مختلفة، وهو ما يرتبط مباشرة بما تم التطرق إليه في الإطار النظري حول مركزية القوة في العلاقات الدولية.

فالتفاوض لا يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل يشمل أيضاً الأبعاد القانونية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية، وهو ما يجعل تحليل القوة في هذه الحالة نموذجاً مركباً لفهم تعدد مصادر القوة في النظام الدولي.

1. أوراق القوة التفاوضية لدى لبنان

على الرغم من التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها لبنان، فإنه يمتلك عدداً من عناصر القوة التي تمنحه هامشاً تفاوضياً مهماً في مواجهة إسرائيل، خاصة في سياقات التفاوض غير المباشر.

أ- الموقع الجغرافي الاستراتيجي

يقع لبنان في منطقة حساسة من شرق البحر الأبيض المتوسط، ويشرف على جزء مهم من الساحل الشرقي، كما يشكل نقطة اتصال بين المشرق العربي والبحر المتوسط. وقد منح هذا الموقع لبنان أهمية جيوسياسية تتجاوز حجمه الجغرافي، وجعل استقراره أو اضطرابه عاملاً مؤثراً في الأمن الإقليمي الذي يندرج ضمن مفهوم الجيوسياسية في تفسير الصراعات الدولية.

كما أن الحدود المشتركة مع إسرائيل تجعل أي توتر أمني ذا انعكاسات إقليمية مباشرة، الأمر الذي يمنح لبنان وزناً تفاوضياً غير مباشر.

ب- الشرعية القانونية الدولية

يستند لبنان في العديد من مطالبه إلى قرارات الأمم المتحدة والقواعد القانونية الدولية المتعلقة بالحدود والسيادة. وقد شكّل هذا العامل أحد أهم مصادر القوة اللبنانية في ملف ترسيم الحدود البحرية.

وتُعد الشرعية الدولية من أدوات القوة الأساسية للدول التي لا تمتلك تفوقاً عسكرياً، لأنها تمنحها دعماً سياسياً ودبلوماسياً داخل المنظمات الدولية، وهو ما يرتبط بمفهوم القوة القانونية (Legal Power) في العلاقات الدولية.

ج- ملف الثروات البحرية والطاقة

أصبح ملف الغاز الطبيعي والموارد البحرية في شرق المتوسط أحد أبرز عناصر القوة التفاوضية اللبنانية. فوجود احتياطات محتملة من الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة جعل من ترسيم الحدود البحرية قضية استراتيجية.

ويعكس هذا الملف التحول نحو ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـاقتصاديات الطاقة كعامل في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية.

د- القدرة على التأثير في الاستقرار الإقليمي

يحتل لبنان موقعاً محورياً في معادلات الأمن الإقليمي، حيث إن أي تصعيد على الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية قد يمتد تأثيره إلى منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ولذلك تنظر القوى الدولية إلى استقرار لبنان باعتباره عنصراً أساسياً في الحفاظ على الأمن الإقليمي.

وتمنح هذه الحقيقة لبنان قدرة غير مباشرة على التأثير في حسابات الأطراف الدولية المعنية بالصراع.

هـ- عنصر الردع المرتبط بقدرات المقاومة

يُعتبر عامل الردع العسكري غير التقليدي من أبرز أوراق القوة اللبنانية في العقود الأخيرة. فوجود قدرات عسكرية لدى المقاومة اللبنانية خلق معادلة ردع متبادلة حدّت من قدرة إسرائيل على فرض حلول أحادية.

ورغم الجدل حول هذا العامل، فإنه أصبح جزءاً من البيئة الاستراتيجية المؤثرة في مسارات التفاوض، وهو ما يرتبط بمفهوم الردع المتبادل في النزاعات غير المتكافئة.

2. أوراق القوة التفاوضية لدى إسرائيل

في المقابل، تمتلك إسرائيل مجموعة واسعة من عناصر القوة التقليدية وغير التقليدية التي تجعل موقعها التفاوضي أكثر قوة من الناحية المادية والاستراتيجية.

أ- التفوق العسكري الواضح

تُعد القوة العسكرية الإسرائيلية من أبرز عناصر التفوق في المنطقة، سواء من حيث حجم الإنفاق أو مستوى التسليح والتكنولوجيا المتقدمة. وتمتلك إسرائيل قدرات جوية وبحرية واستخباراتية تمنحها هامشاً واسعاً من المناورة الاستراتيجية.

ويُشكل هذا التفوق أحد المحددات الأساسية في توازن القوة في التفاوض الدولي.

ب- الدعم الأمريكي المباشر

تحظى إسرائيل بدعم سياسي وعسكري واقتصادي كبير من الولايات المتحدة، التي تُعد الحليف الاستراتيجي الأهم لها. ويظهر هذا الدعم في المساعدات العسكرية والتنسيق الأمني والمساندة الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية.

ويُعد هذا العامل من أهم مصادر القوة لأنه يوفّر مظلة حماية استراتيجية ويعزز القدرة على التأثير في مسارات التفاوض.

ج- القوة الاستخباراتية والتكنولوجية

طورت إسرائيل منظومة استخباراتية متقدمة وقدرات عالية في الأمن السيبراني والاتصالات والذكاء الاصطناعي، ما يمنحها تفوقاً معلوماتياً في إدارة الأزمات.

ويعكس هذا البعد أهمية المعرفة والتكنولوجيا كأداة قوة في العلاقات الدولية المعاصرة.

د- الاقتصاد المستقر نسبياً

يتميز الاقتصاد الإسرائيلي بدرجة من الاستقرار والتنوع، خاصة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية. ويسمح هذا الاستقرار بتحمل كلفة الصراعات وإطالة أمد التفاوض دون ضغوط داخلية حادة.

هـ- النفوذ الدولي الواسع

نجحت إسرائيل في بناء شبكة علاقات دولية واسعة، إضافة إلى توسيع حضورها الإقليمي عبر اتفاقيات تطبيع حديثة. ويُشكل هذا النفوذ أداة فعالة لدعم موقفها في العديد من الملفات التفاوضية عبر الحشد الدبلوماسي والتحالفات.

تبين  المقارنة بين أوراق القوة لدى لبنان وإسرائيل عن اختلال واضح في ميزان القوة التقليدية لصالح إسرائيل، خصوصاً في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية. غير أن لبنان يمتلك بدوره عناصر قوة نوعية تتمثل في الشرعية القانونية الدولية، والموقع الجيوسياسي، وملف الموارد البحرية، وقدرته على التأثير في الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى معادلة الردع غير المتكافئة.

ومن ثم فإن المفاوضات بين الطرفين لا تُختزل في منطق القوة العسكرية وحدها، بل تتأثر أيضاً بعوامل القانون الدولي، والمصالح الاقتصادية، وحسابات الأمن والاستقرار الإقليمي، وهو ما يعكس ما تم التأكيد عليه في الإطار النظري حول تعدد مصادر القوة في التفاوض الدولي.

خامساً: الفكرة المركزية – حدود التفاوض في ظل اختلال القوة

تُعدّ مسألة توازن القوة من القضايا الأساسية في نظريات التفاوض والعلاقات الدولية، إذ لا تُقاس فرص نجاح المفاوضات بحسن النوايا أو الرغبة في الحوار فقط، وإنما بمدى امتلاك الأطراف لأدوات التأثير والضغط التي تسمح لها بحماية مصالحها وانتزاع التنازلات من الطرف الآخر. وهو ما ينسجم مع ما تم التمهيد له في الإطار النظري حول مركزية القوة في تفسير سلوك الدول داخل النظام الدولي.

فالتفاوض، وفق المنظور الواقعي في العلاقات الدولية، ليس عملية أخلاقية مجردة، بل هو عملية سياسية واستراتيجية تقوم على حسابات القوة والمصلحة والكلفة والعائد، وهو ما يجعل فهمه مرتبطاً مباشرة بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية.

ومن هذا المنطلق، يرى العديد من الباحثين أن نتائج التفاوض غالباً ما تعكس موازين القوى السائدة بين الأطراف المتفاوضة. فكلما ازداد التفاوت في عناصر القوة، ازدادت قدرة الطرف الأقوى على فرض أجندته وشروطه، بينما يجد الطرف الأضعف نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات أكبر للحفاظ على الحد الأدنى من مصالحه.

1.العلاقة بين القوة والتفاوض في الفكر الواقعي

تنطلق النظرية الواقعية من فرضية أساسية مفادها أن النظام الدولي يتسم بغياب سلطة مركزية قادرة على فرض العدالة أو ضمان حقوق الدول بشكل كامل، مما يدفع الدول إلى الاعتماد أساساً على قدراتها الذاتية لحماية مصالحها وأمنها.

وفي هذا الإطار، تُفهم المفاوضات باعتبارها امتداداً للصراع بوسائل سلمية، وليست بديلاً نهائياً عنه، حيث تستمر منطق القوة ولكن بأدوات دبلوماسية بدلاً من المواجهة المباشرة.

وتشمل القوة في هذا السياق أكثر من البعد العسكري، إذ تتسع لتضم الموارد الاقتصادية، ومستوى الدعم والتحالفات الدولية، والشرعية القانونية، والقدرة على التأثير في البيئة الإقليمية، إضافة إلى أدوات الردع المختلفة. وكلما امتلكت الدولة رصيداً أكبر من عناصر القوة، تحسّن موقعها التفاوضي وازدادت قدرتها على التأثير في مخرجات العملية التفاوضية.

2. حدود التفاوض في الحالة اللبنانية

عند تطبيق هذا المنظور على الحالة اللبنانية، يبرز نقاش واسع حول مدى قدرة لبنان على تحقيق مكاسب تفاوضية في ظل اختلال ميزان القوة التقليدي لصالح إسرائيل.

فإسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، واقتصاداً أكثر استقراراً، ودعماً أمريكياً ودولياً كبيراً، فضلاً عن قدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدمة، وهو ما يندرج ضمن مفهوم اللامتكافؤ في القوة داخل النزاعات الدولية.

وفي المقابل، يواجه لبنان تحديات سياسية واقتصادية ومؤسساتية تحدّ من قدرته على استخدام أدوات القوة التقليدية. لذلك يرى عدد من الباحثين أن أي مفاوضات لا تستند إلى عناصر تأثير حقيقية قد تتحول إلى إدارة للأزمة وفق شروط الطرف الأقوى، بدلاً من أن تكون عملية تفاوض متوازنة.

3.مفهوم الردع كعامل لتحقيق التوازن

ضمن هذا السياق، يذهب اتجاه تحليلي إلى أن عنصر الردع يُعدّ أحد العوامل التي ساهمت في تقليص فجوة القوة بين لبنان وإسرائيل، ولو بشكل جزئي. فامتلاك قدرة على إلحاق كلفة بالطرف المقابل يجعل خيار استخدام القوة العسكرية أقل جاذبية، ويدفع الأطراف إلى تفضيل المسارات التفاوضية.

ويتقاطع هذا الطرح مع مفهوم الردع في العلاقات الدولية باعتباره آلية تهدف إلى منع التصعيد عبر التأثير في حسابات الكلفة والعائد لدى الأطراف المتنازعة. ويقوم هذا المنظور على فكرة أن التفاوض يكتسب فرص نجاح أكبر عندما يدرك كل طرف أن البدائل الأخرى، خصوصاً التصعيد العسكري، تنطوي على كلفة مرتفعة ونتائج غير مضمونة.

4.محطات يُستشهد بها في هذا السياق

اتفاق ترسيم الحدود البحرية (2022)
يُعد هذا الاتفاق مثالاً على تفاعل عناصر القوة الاقتصادية والسياسية والأمنية في إنتاج تسوية تفاوضية. فقد تزامنت المفاوضات مع تصاعد أهمية ملف الطاقة في شرق المتوسط، ومع تنامي المخاوف من انعكاسات أي تصعيد على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يعكس منطق التفاوض البراغماتي القائم على تداخل المصالح وتوازن الكلفة والعائد بين الأطراف.

er 1

5. التفاوض بين منطق القوة ومنطق التسوية

مع ذلك، لا يمكن اختزال نجاح المفاوضات في القوة العسكرية وحدها. فالتجارب الدولية تُظهر أن التفاوض الناجح غالباً ما يقوم على مزيج من عناصر القوة والشرعية والوساطة الدولية والمصالح الاقتصادية المشتركة.

لذلك فإن امتلاك أوراق ضغط فعالة يُعد عاملاً مهماً، لكنه ليس العامل الوحيد المحدد للنتائج، وهو ما يعكس تطور فهم التفاوض في النظريات المعاصرة للعلاقات الدولية.

كما أن التفاوض الحديث لا يهدف دائماً إلى تحقيق انتصار كامل لطرف وهزيمة كاملة للطرف الآخر، بل يسعى إلى إيجاد تسويات تقلل من كلفة الصراع وتحافظ على الحد الأدنى من مصالح الأطراف. ويتوافق ذلك مع ما تناولته دراسة «التفاوض الدولي بين منطق الصراع ومنطق التسوية» التي تبرز كيف أصبحت إدارة المصالح وتحقيق المكاسب المتبادلة إحدى السمات الأساسية للمفاوضات الدولية المعاصرة.

تتمثل الفكرة المركزية في أن فعالية التفاوض ترتبط بدرجة كبيرة بامتلاك أوراق قوة وتأثير حقيقية. فكلما كان ميزان القوة مختلاً بصورة كبيرة، ازدادت صعوبة الوصول إلى تسوية متوازنة.

وفي الحالة اللبنانية، يرتبط تحسين الموقع التفاوضي بامتلاك عناصر ضغط سياسية وقانونية واقتصادية وأمنية تجعل الطرف المقابل أكثر استعداداً لتقديم التنازلات.

ومن ثم فإن التفاوض، في جوهره، ليس مجرد حوار بين الأطراف، بل هو تفاعل مستمر بين القوة والمصلحة والقدرة على التأثير في خيارات الطرف الآخر، وهو ما يؤكد الطابع البنيوي للعلاقات الدولية كما تشرحهالمدرسة الواقعية.

سادساً: هل يمكن للتفاوض أن ينجح رغم عدم التكافؤ؟

يُطرح في أدبيات التفاوض والعلاقات الدولية سؤال جوهري مفاده: هل يُشترط لنجاح المفاوضات وجود توازن كامل في القوة بين الأطراف؟ وتُجمع أغلب التحليلات النظرية على أن التكافؤ التام ليس شرطاً ضرورياً لنجاح العملية التفاوضية، إذ يمكن إبرام اتفاقات مهمة بين أطراف تختلف بشكل واضح في قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية.

غير أن نجاح هذه المفاوضات يرتبط عادة بتوافر مجموعة من الظروف التي تُقلّص أثر اختلال موازين القوة، وتجعل خيار التسوية أكثر جاذبية من استمرار الصراع، وهو ما يتوافق مع منطق تحليل الكلفة والعائد في العلاقات الدولية.

1. نماذج دولية لمفاوضات ناجحة رغم اختلال القوة

يقدم التاريخ الحديث عدداً من الأمثلة التي تُظهر إمكانية نجاح التفاوض حتى في ظل عدم التكافؤ النسبي بين الأطراف، بما يؤكد أن القوة، رغم أهميتها، ليست العامل الوحيد المحدد لمخرجات العملية التفاوضية.

أ- اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل (1979)
يُعد هذا الاتفاق من أبرز النماذج التي تُظهر إمكانية نجاح التفاوض رغم وجود تفاوت في بعض عناصر القوة بين الأطراف. فقد أفضى إلى إنهاء حالة الحرب واستعادة شبه جزيرة سيناء إلى السيادة المصرية.

وقد تحقق هذا الاتفاق نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها الإرهاق الناتج عن الحروب السابقة، والرغبة في تحقيق الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى الدور الذي لعبته الوساطة الدولية والدعم الدبلوماسي، وهو ما يعكس أهمية البيئة الدولية في تهيئة شروط التسوية.

ب- اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية (1998)

شكّل هذا الاتفاق نموذجاً مهماً في إدارة النزاعات الطويلة والمعقدة، حيث جمع أطرافاً ذات اختلافات كبيرة في القدرات السياسية والتمثيلية.

ويُظهر هذا النموذج أن التفاوض يصبح ممكناً عندما تدرك الأطراف أن كلفة استمرار النزاع تفوق كلفة التسوية، وهو ما يرتبط بمفهوم تحول الصراع إلى تسوية سياسية تدريجية.

ج- اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل (1994)

مثّل هذا الاتفاق مثالاً على إمكانية بناء تفاهمات مستقرة رغم التفاوت في عناصر القوة، حيث ركز على قضايا الحدود والمياه والأمن.

وقد لعبت المصالح المشتركة والضمانات الدولية دوراً محورياً في تسهيل الوصول إلى الاتفاق، وهو ما يعكس أهمية توازن المصالح في دعم استقرار الاتفاقات الدولية.

2. العوامل التي تجعل التفاوض ممكناً رغم اختلال القوة

تكشف هذه النماذج أن نجاح التفاوض في ظل عدم التكافؤ لا يحدث تلقائياً، بل يرتبط بمجموعة من الشروط والعوامل المساعدة.

أ- وجود ضغط دولي وإقليمي مكثف

تلعب القوى الدولية والمنظمات الإقليمية دوراً محورياً في دفع الأطراف نحو التسوية، من خلال الوساطة والضمانات السياسية والحوافز الاقتصادية وأحياناً الضغوط الدبلوماسية.

ويُعد هذا العامل تطبيقاً عملياً لمفهوم الدور البنيوي للوسطاء الدوليين في إدارة النزاعات.

ب- ارتفاع كلفة استمرار الصراع

كلما ازدادت الخسائر الناتجة عن استمرار النزاع، أصبحت التسوية أكثر جاذبية. فالدول لا تتخذ قراراتها على أساس المبادئ فقط، بل وفق حسابات الكلفة والعائد.

وهذا يعكس أحد أهم مبادئ المدرسة الواقعية في تحليل السلوك الدولي.

ج- اقتناع الطرف الأقوى بجدوى التسوية

من أهم شروط نجاح التفاوض أن يدرك الطرف الأقوى أن فرض إرادته بالكامل قد يكون مكلفاً أو غير ممكن عملياً، خصوصاً في ظل القيود الدولية أو ارتفاع كلفة استخدام القوة.

وعندما تصبح التسوية أكثر استقراراً من المواجهة، يميل الطرف الأقوى إلى تقديم تنازلات محسوبة، وهو ما يندرج ضمن مفهوم العقلانية الاستراتيجية في العلاقات الدولية.

3. دلالات ذلك على الحالة اللبنانية

في ضوء هذه التجارب، يمكن القول إن نجاح أي مفاوضات بين لبنان وإسرائيل لا يرتبط فقط بالتكافؤ العسكري المباشر، بل يتوقف أيضاً على قدرة الأطراف والوسطاء على خلق بيئة تجعل التسوية أكثر جدوى من استمرار النزاع.

فكلما ارتفعت كلفة التصعيد، وتعاظمت المصالح المرتبطة بالاستقرار، وتوافر دعم دولي فعّال، ازدادت فرص الوصول إلى تفاهمات أو اتفاقات محددة، حتى في ظل استمرار التفاوت في عناصر القوة التقليدية.

كما تُظهر التجارب الدولية أن الطرف الأضعف يستطيع تحسين موقعه التفاوضي من خلال توظيف أدوات القانون الدولي، والدبلوماسية، والتحالفات، والشرعية السياسية، وهو ما يعكس أهمية القوة غير المادية في موازين التفاوض الدولي.

تؤكد الفكرة المركزية أن التفاوض يمكن أن ينجح رغم عدم التكافؤ، بشرط توافر بيئة سياسية ودولية تجعل التسوية أقل كلفة وأكثر فائدة من استمرار الصراع.

وفي الحالة اللبنانية، يتضح أن تحسين فرص التفاوض لا يعتمد فقط على ميزان القوة العسكري، بل أيضاً على تفاعل عناصر الشرعية الدولية، والوساطة، والمصالح الاقتصادية، وحسابات الاستقرار الإقليمي.

ومن ثم فإن التفاوض، في جوهره، ليس نتيجة مباشرة لتوازن القوة فقط، بل هو نتاج معقد لتفاعل بين القوة، والمصلحة، والكلفة، والشرعية، والوساطة الدولية، وهو ما يؤكد الطابع المركب للنظام الدولي المعاصر.

خاتمة


تكشف دراسة مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل أن هذا الملف لا يمكن اختزاله في كونه مساراً تقنياً أو دبلوماسياً معزولاً، بل هو تعبير مكثف عن تداخل معقد بين التاريخ وموازين القوة والاعتبارات الإقليمية والدولية.
فالمفاوضات بين الطرفين تجري في سياق يتسم بانعدام الثقة البنيوي، واستمرار حالة التوتر، ووجود تفاوت واضح في عناصر القوة الصلبة والناعمة، بما يجعل أي عملية تفاوضية محكومة سلفاً بسقف التوازنات القائمة في النظامين الإقليمي والدولي.

وقد أظهرت الدراسة أن إسرائيل تمتلك تفوقاً واضحاً في مجالات القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والدعم الدولي، ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في مسار التفاوض وتحديد نتائجه.
في المقابل، يعتمد لبنان على مجموعة من أوراق القوة المحدودة ولكن ذات الدلالة الاستراتيجية، وفي مقدمتها الشرعية القانونية الدولية، والموقع الجيوسياسي، وملف الثروات البحرية.

كما يشكل عنصر الردع أحد أهم محددات التوازن في المعادلة، لاسيما من خلال ما تتيحه قوى المقاومة داخل لبنان من قدرة ردعية غير تقليدية في مواجهة إسرائيل.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار هذه القدرة الردعية ورقة قوة استراتيجية متاحة للدولة اللبنانية، بما يستدعي إدماجها ضمن رؤية وطنية مسؤولة ومنضبطة، تسمح بتوظيفها عند الضرورة كأداة دعم للموقف التفاوضي الرسمي، دون أن تكون خارج إطار القرار السياسي للدولة أو منفصلة عن مصالحها العليا.

ويشير التحليل النظري والتجربة العملية معاً إلى أن التفاوض في ظل اختلال بنيوي في ميزان القوى يظل محدود النتائج، خصوصاً إذا بقي الطرف الأضعف يفتقر إلى أدوات ضغط فعلية وفعّالة.
فالتفاوض ليس مجرد عملية حوار دبلوماسي، بل هو أيضاً عملية حسابية تتحدد نتائجها بمدى قدرة كل طرف على التأثير في كلفة وبدائل الطرف الآخر.
ومن ثم فإن غياب قوة تفاوضية ملموسة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج اختلال التوازن بدل معالجته.

وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة أن نجاح أي مسار تفاوضي يقتضي امتلاك حد أدنى من القوة الفعلية القابلة للتوظيف، بما يتيح الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع التأثير النسبي.
وتشمل هذه القوة الأبعاد القانونية والسياسية والاقتصادية، إضافة إلى عنصر الردع الذي يمثل، في السياق اللبناني، رصيداً استراتيجياً يمكن للدولة الاستفادة منه ضمن إطار مؤسساتي واضح، بما يعزز موقفها دون إخلال بمرجعية القرار الوطني.

وعليه، فإن التجربة التاريخية والنماذج المقارنة تؤكد أن التفاوض لا ينجح في ظل اختلال القوة إلا بشروط محددة، إما عبر إعادة إنتاج توازنات جديدة تقلص الفجوة بين الأطراف، أو عبر ضغط دولي يفرض كلفة على استمرار الصراع.
ومن هنا، يظل مستقبل أي مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل مرهوناً بقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز أدواتها التفاوضية، وفي مقدمتها دمج وتفعيل عناصر الردع ضمن استراتيجية وطنية متماسكة، تجعل منها رافعة داعمة للموقف الرسمي عند الاقتضاء.
وبمدى استعداد البيئة الدولية لدعم مسار يقوم على حد أدنى من التوازن، بما يجعل التسوية خياراً عقلانياً للطرفين بدل أن تكون انعكاساً مباشراً لاختلال القوة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المراجع

اولا: مراجع عربية

  1. مركز التوثيق والبحوث اللبناني (1984)
    المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: وقائع، بيبليوغرافيا، وثائق، خرائط
    مركز سادر – لبنان
    (مرجع كلاسيكي تأسيسي لكنه مهم في التوثيق)
  2. لبنان لو ريفيو (2020)
    لبنان وإسرائيل: الاتفاقات والقرارات الدولية
    Lebanon Law Review – لبنان

ثانياً: مراجع أجنبية

Yahya, M. (2022.1 .
Lebanon and Israel’s maritime deal suspends them between no war and no peace.
Carnegie Middle East Center, Carnegie Endowment for International Peace, Washington D.C., United States.

International Crisis Group. (2022).2.
Israel/Lebanon: Avoiding another war.
Brussels, Belgium.
(Report analyzing escalation risks and deterrence dynamics in Lebanon–Israel relations).3

Hussain, H. R. (2022).3.
Lebanon’s maritime deal with Israel: Political compromise under crisis conditions.
Sada Journal, Carnegie Middle East Center, Beirut/Washington D.C.

Geneva Centre for Security Policy (GCSP). (2023).4
Recipe for success: Israeli and Lebanese analytical perspectives on the maritime delimitation negotiations.
Geneva, Switzerland.

Bacci, A. (2023).5
The Israeli-Lebanese border agreement: A legal analysis.
S&P Global Commodity Insights, London, United Kingdom.

Sobelman, D. (2023).6
Hezbollah’s coercion and the Israel-Lebanon maritime deal.
Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard University, Cambridge, United States.

Carnegie Endowment for International Peace. (2024).7
The futility of a Lebanon war.
Carnegie Middle East Center, Washington D.C., United States.

.

د. عياد جلول

مدير الأبحاث والدراسات كاتب وأكاديمي من لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى