مختاراتمرصد الجوار

أزمة الشرعية في الجزائر: حين تُصبح صناديق الاقتراع الفارغة شاهداً على انهيار التعاقد السياسي

مقدمة: الشرعية بوصفها إشكالية نظرية

في صميم الفكر السياسي الحديث، لا تقوم الدولة على القوة وحدها. فمنذ أن أرسى ماكس فيبر أُسس علم السياسة التحليلي في مطلع القرن العشرين، بات مفهوم الشرعية يُمثل العمود الفقري الذي يُميّز الحكم عن السيطرة المجردة. وقد حدّد فيبر ثلاثة مصادر للسلطة المشروعة: التقليد، والكاريزما، والعقلانية القانونية. غير أن المنظّر السياسي ديفيد بيتهام طوّر هذا الإطار في كتابه “تشريع السلطة” عام 1991، مقترحاً أن الشرعية لا تكتمل إلا بتوافر ثلاثة عناصر متراكبة: مطابقة القواعد، والمبررات المشتركة بين الحاكم والمحكوم، والموافقة الصريحة للمحكومين التي لا تتجلى إلا بأفعال إيجابية قابلة للقياس، لا بالصمت وحده.

هذا التأطير النظري ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو مفتاح لفهم الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام العسكري في الجزائر. فالنظام يستوفي الشرط الأول نظرياً: ثمة دستور وقوانين وإجراءات شكلية. لكنه يُخفق إخفاقاً ذريعاً في الشرطين الآخرين، وأرقام المشاركة الانتخابية ليست إلا القياس الكمي لهذا الإخفاق.

النظام العسكري والديمقراطية الإجرائية: إدارة الواجهة

منذ انقلاب يناير 1992، حين أُلغيت نتائج الانتخابات التشريعية التي أسفرت عن فوز ساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجولة الأولى، اختار النظام العسكري الجزائري مساراً بالغ الدقة: الإبقاء على شكل الديمقراطية مع تفريغها من مضمونها. وقد وصف فريديريك فولبي، أستاذ الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة إدنبرة، هذه الظاهرة بمصطلح “الاستبداد الانتخابي”، مشيراً إلى أن النظام الجزائري تكيّف تكتيكياً مع متطلبات الديمقراطية الإجرائية دون أن يقبل بجوهرها، مما أفضى إلى تآكل القيمة الجوهرية لمفهوم الديمقراطية ذاته في الوجدان الجمعي الجزائري.

وهذا ما يُسمى في الأدبيات السياسية الراهنة بـ “الديمقراطية الشكلية” أو “الليبرالية الاستبدادية”، حيث يُوظَّف الإجراء الانتخابي لا لتداول السلطة، بل لإعادة إنتاجها وتجديد غلافها الخارجي أمام المجتمع الدولي. وكما لاحظ مركز الإصلاح العربي في تحليله لتشريعيات 2021، فإن الانتخابات في الجزائر “أداة للمرونة الاستبدادية”، تُتيح للنظام تجديد مؤسساته تجميلياً دون أي إعادة نظر جذرية في هياكل القوة القائمة.

الأرقام بوصفها خطاباً سياسياً

تُدمج الانتخابات التشريعية الجزائرية المقررة في الثاني من يوليو 2026 في سياق يرسم مساراً متراجعاً لا لبس فيه: 65 بالمئة في 1997، ثم 43 بالمئة في 2012، ثم 35 بالمئة في 2017، لتصل إلى 23 بالمئة في 2021 وفق بيانات مركز الجزيرة للدراسات. وهذا المنحنى ليس عَرَضاً انتخابياً عابراً، بل مؤشر قياسي على انحلال متدرّج في ما يُسميه بيتهام “الموافقة الصريحة للمحكومين”.

غير أن الرقم الوطني المجمّع يُخفي داخله تفاوتاً جغرافياً بالغ الدلالة. ففي منطقة القبائل، بلغت نسبة الاقتراع في تشريعيات 2021 ما بين 0.42 بالمئة في بجاية و0.90 بالمئة في تيزي وزو. وفي العاصمة وكبريات المدن الحضرية كسطيف وقسنطينة وبومرداس، سُجّل عزوف حقيقي لا يختلف كثيراً في دلالته السياسية. وما تُقيمه نسبة المشاركة الوطنية من حاجز الخُمس في نهاية المطاف، فإنما تُعوّض ذلك المناطق الصحراوية والريفية البعيدة، التي تتباين دوافع مشاركتها الانتخابية من السلبية الزبائنية إلى الاعتماد على قنوات الضبط الاجتماعي التقليدية.

هذا التوزيع الجغرافي للعزوف يطرح سؤالاً دستورياً جوهرياً يتجاوز الأرقام: حين يُعلن نظام سيادته على منطقة القبائل، ولا يحصل في أكثر ولاياتها مركزية على نسبة تصويت تبلغ 1 بالمئة من المقيمين فيها، فبأي معنى يُمكن الحديث عن تمثيل سياسي؟ وبأي منطق يُعلَن عن نواب “يمثلون” مناطق رفضت التصويت لأي طرف بنسبة تزيد على 99 بالمئة؟ إن التمثيل في غياب الموافقة ليس تمثيلاً، إنه إدارة.

انتفاء المشروعية الجغرافية: سؤال الوحدة الوطنية

تستدعي هذه الفجوة العميقة بين المركز والأطراف في الجزائر التوقف عند مفهوم نظري آخر، هو ما يُسميه الباحث الأمريكي غاري فولر “الهشاشة التمثيلية”، أي الحالة التي تبلغ فيها الفجوة بين الشرعية المُدّعاة والشرعية الفعلية حداً لا تعود فيه المؤسسات قادرة على القيام بوظيفتها الجوهرية في بناء الإجماع الوطني.

منطقة القبائل ليست جيباً أقلياً هامشياً في الجغرافيا الجزائرية. هي منطقة ذات حضور تاريخي وثقافي ولغوي راسخ، وذات كثافة سكانية معتبرة. وحين يصف النظام احتجاجات أبناء هذه المنطقة بأنها محرّكة من الخارج أو ذات دوافع انفصالية، فإنه يتهرب من سؤال أعمق: لماذا لم ينجح، في ثلاثة عقود من الاستحقاقات الانتخابية المتتالية، في إقناع ولو أقلية معتبرة من سكانها بأن المشاركة في صناديقه الانتخابية فعل ذو معنى؟

والجواب الذي تقترحه الأرقام لا يستلزم تفسيرات مؤامراتية: السكان يعرفون أن الأصوات لا تُغيّر الحكّام، ولا تُحدّد السياسات، ولا تُحاسب المسؤولين. وهذا وحده كافٍ لتفسير الغياب.

من الاستبداد الصريح إلى إدارة اللامشروعية

ما يجعل الحالة الجزائرية نموذجاً خاصاً في دراسات الاستبداد المقارن، هو أن النظام انتقل بمرور الوقت من السعي نحو بناء الشرعية إلى ما يُمكن تسميته “إدارة اللامشروعية”. ففي العقد الأول من الألفية الثالثة، استثمر النظام في خطاب المصالحة الوطنية ودوّل عائدات النفط على شكل منح اجتماعية تراوحت بين دعم الوقود والإسكان الشعبي، في محاولة لبناء ما يُسميه منظرو التنمية السياسية “الشرعية الأدائية”، أي الشرعية المستمدة من الإنجاز الاقتصادي لا من الموافقة الانتخابية. وقد نجح ذلك جزئياً في السنوات التي شهدت ارتفاعاً في أسعار النفط.

لكن حين تراجعت الأسعار منذ منتصف العقد الأول ثم انهارت في 2014-2015، انكشفت الهشاشة البنيوية لهذه المعادلة. ولم يبحث النظام عن مصادر بديلة للشرعية عبر الإصلاح السياسي، بل اختار مساراً مغايراً: تضييق الفضاء العام وتجريم المعارضة وتشريع الإكراه على المشاركة.

هذا الإكراه على المشاركة هو الوجه الأحدث لهذه الاستراتيجية. فقانون الأحزاب الجديد الذي أقرّه النظام قُبيل انتخابات 2026 يُهدد بالحل القانوني كل حزب يقاطع انتخابَين تشريعيَّين متتاليَين. والنتيجة المباشرة أن أحزاب المعارضة التي قاطعت 2021 اضطرت في 2026 إلى المشاركة ليس إيماناً بجدوى العملية، بل تفادياً للإعدام القانوني. وقد وصف رئيس أحد هذه الأحزاب المشاركةَ صراحةً بأنها تجري في سياق “انغلاق سياسي مستمر”. المشاركة المُكرَهة في الأدبيات السياسية ليست موافقة، إنها محاكاة للموافقة. وفي إطار بيتهام، هي تستوفي الشكل الخارجي للشرط الثالث وتفتقر كلياً إلى مضمونه.

مفارقة الحراك ودلالاتها النظرية

خرج الجزائريون بالملايين في حراك 2019 خارج أي صندوق اقتراع، ودفعوا ثمن هذا الخروج حين أُجريت انتخابات رئاسية في ديسمبر من العام ذاته لم تتجاوز فيها نسبة المشاركة 40 بالمئة رغم الزخم الشعبي الهائل. هذه المفارقة دقيقة نظرياً: الجزائريون ليسوا شعباً مُصاباً بالعجز السياسي أو المُنفصل عن شأنه العام. لكنهم توصّلوا، عبر تجربة إلغاء نتائج ديسمبر 1991 وما أعقبها من عشرية دم، إلى تمييز صارم بين الفعل السياسي وآليته الانتخابية. يحتجون بالجسد في الميدان ويغيبون بالورقة عن مكتب الاقتراع، وهذا التمييز الدقيق بين رفض النظام ورفض الاقتراع هو في جوهره خطاب سياسي متطور لا عزوف ساذج.

وقد وصف فولبي هذه الظاهرة بأن “الحركات الشعبية العفوية فعّالة في تعطيل الأدوات الزائفة للنخب الاستبدادية، لكنها أقل كفاءة في طرح البدائل المؤسسية”. وهذا بالضبط ما جرى: الحراك أسقط بوتفليقة لكنه لم يُسقط المنظومة.

خاتمة: أزمة بنيوية بلا أفق مرئي

تُمثّل انتخابات يوليو 2026 حلقة جديدة في مسلسل متواصل لن تُغيّر نتائجه المعادلة البنيوية. النظام العسكري الجزائري يواجه أزمة شرعية ثلاثية الأبعاد: شرعية التمثيل الانتخابي منهارة قياسياً، وشرعية الأداء الاقتصادي ضعيفة في ظل اقتصاد ريعي هش، والشرعية التأسيسية المستمدة من شرف تحرير الجزائر من الاستعمار تتآكل بتقادم الزمن وغياب الجيل المؤسس.

ما يبقى حين تتآكل المصادر الثلاثة في آنٍ واحد هو القوة المجردة. وقد كانت مبلّغة الحكمة السياسية حين قالت، منذ القرن السابع عشر، إن الدولة التي لا تحكم إلا بالإكراه هي دولة في حالة حرب مع مواطنيها. صناديق اقتراع يُحجم عنها أربعة من كل خمسة ناخبين ليست انتخابات بالمعنى الوظيفي للكلمة، بل هي طقس اعتراف إجباري يُؤدّى لجمهور خارجي قبل أن يُؤدَّى لجمهور داخلي. والفارق بين الطقس والتعاقد هو الفارق عينه بين دولة تُدار ودولة تُبنى.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى