وجهات نظر

مسجد باريس الكبير.. حين دشّن السلطان المغربي والرئيس الفرنسي صرحًا للحوار الحضاري وأمّ أحمد سكيرج أول صلاة جمعة

في الخامس عشر من يوليو/تموز 1926، شهدت العاصمة الفرنسية باريس حدثًا تاريخيًا تجاوز أبعاده الدينية ليغدو محطة بارزة في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، وفي مسار الحضور الإسلامي بأوروبا. ففي ذلك اليوم، افتُتح مسجد باريس الكبير في احتفال رسمي مهيب حضره السلطان المغربي مولاي يوسف بن الحسن والرئيس الفرنسي غاستون دومرغ، إلى جانب كبار المسؤولين والشخصيات الدينية والفكرية. ولم يكن الحدث مجرد تدشين لمسجد، بل كان إعلانًا عن ميلاد فضاء للحوار بين الحضارات، جسّد قيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل.

وتوّج هذا الافتتاح بإقامة أول صلاة جمعة داخل المسجد، حيث اعتلى المنبر العالم والقاضي المغربي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج، الذي أمّ المصلين وألقى خطبة رسخت منذ اللحظة الأولى الرسالة الحضارية التي أُنشئ المسجد من أجلها.

مشروع تاريخي امتد لعقود

لم يكن بناء مسجد باريس الكبير ثمرة قرار آني، بل جاء نتيجة مسار طويل بدأ منذ عام 1842، عندما طُرحت لأول مرة فكرة إنشاء مسجد يمثل المسلمين في العاصمة الفرنسية. وظلت الفكرة تراوح مكانها لعقود قبل أن تجد طريقها إلى التنفيذ بعد الحرب العالمية الأولى، في ظل الاعتراف بالدور الذي لعبه الجنود المسلمون في الدفاع عن فرنسا.

وفي يوليو/تموز 1920، صادق البرلمان الفرنسي بأغلبية كبيرة بلغت 247 صوتًا مقابل 11 صوتًا على مشروع بناء المسجد، في خطوة عكست إرادة سياسية لإقامة معلم ديني وثقافي يليق بالمسلمين. كما خصصت الدولة الفرنسية مبلغ 500 ألف فرنك لدعم المشروع، بينما قدمت بلدية باريس قطعة أرض تاريخية كانت تضم أنقاض مستشفى “الرحمة” القديم، الذي نُقل إلى موقع آخر سنة 1911، لتصبح هذه الأرض مقرًا لأحد أبرز المعالم الإسلامية في أوروبا.

المغرب… المساهم الأكبر في تشييد المسجد

تكشف وثائق أرشيف مسجد باريس الكبير أن المغرب كان صاحب المساهمة المالية الأكبر في تشييد المسجد، إذ بلغت مساهمته نحو أربعة ملايين فرنك، شكّل المغاربة الجزء الأكبر منها من خلال تبرعاتهم ومبادراتهم.

وفي المقابل، ساهمت الجزائر بمبلغ 100 ألف فرنك، فيما قدمت تونس 50 ألف فرنك، كما ساهمت إفريقيا الغربية الفرنسية بمبلغ مماثل قدره 50 ألف فرنك. وتعكس هذه الأرقام الدور المحوري الذي اضطلع به المغرب في إنجاز هذا المشروع، سواء من الناحية المالية أو من خلال توفير الكفاءات العلمية والهندسية والحرفية.

أحمد سكيرج… أول خطيب يرسم رسالة المسجد

لم يكن اختيار العالم المغربي أحمد سكيرج لإمامة أول صلاة جمعة وإلقاء أول خطبة في المسجد اختيارًا بروتوكوليًا، بل حمل دلالة علمية ورمزية كبيرة. فقد كان سكيرج من أبرز علماء المغرب وقضاته، واشتهر بعلمه وفقهه وانفتاحه الفكري.

وقد ركزت خطبته الافتتاحية على إبراز سماحة الإسلام ورسالة الدين القائمة على السلام والعدل والتعارف بين الشعوب، مؤكدًا أن افتتاح مسجد في قلب أوروبا ينبغي أن يكون مناسبة لتعزيز جسور التواصل بين الشرق والغرب، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل بين الأديان والثقافات المختلفة.

ومن خلال هذه الخطبة، وضع سكيرج الأساس الفكري والروحي للدور الذي سيضطلع به مسجد باريس الكبير لعقود طويلة، باعتباره مؤسسة دينية وثقافية تتجاوز الوظيفة التعبدية إلى أداء رسالة حضارية وإنسانية.

بصمة مغربية في الهندسة والفنون

لم يقتصر الحضور المغربي على التمويل أو الجانب الديني، بل امتد إلى مختلف تفاصيل البناء والعمارة. فقد تولى المؤقتون المغاربة سنة 1922 تحديد اتجاه القبلة بدقة، وهو عمل تطلب خبرة علمية وفلكية متقدمة.

كما تجلت الهوية المغربية في الطراز المعماري للمسجد، الذي استلهم فنون العمارة المغربية والأندلسية، بما يزخر به من الزليج المنقوش، والأقواس المزخرفة، والخشب المنحوت، والحدائق الداخلية، لتغدو مآذنه وأروقته شاهدًا على أصالة المدرسة المغربية في فن البناء الإسلامي.

ولم تنقطع هذه الصلة مع مرور الزمن، إذ أشرف حرفيون وصناع تقليديون مغاربة، قدموا من مدينتي فاس ومراكش، على أكبر عملية ترميم شهدها المسجد بين عامي 2005 و2007، محافظين على هويته المعمارية الأصيلة باستخدام التقنيات التقليدية نفسها التي اعتمدت عند تشييده.

معلم للحوار والتعايش

على امتداد قرن تقريبًا، تحول مسجد باريس الكبير إلى أكثر من مجرد مكان للعبادة؛ فقد أصبح مؤسسة دينية وثقافية تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الحوار بين الأديان، وخدمة المسلمين في فرنسا، والتعريف بقيم الإسلام المعتدلة، فضلاً عن كونه رمزًا للعلاقات التاريخية التي جمعت المغرب بفرنسا.

ويحمل هذا الصرح في ذاكرته قصة تعاون حضاري نادر، شاركت في صياغتها الإرادة السياسية، والعلماء، والحرفيون، والمتبرعون، ليصبح شاهدًا على أن العمارة يمكن أن تكون لغة للتواصل، وأن دور العبادة قد تتحول إلى جسور للتفاهم بين الأمم.

د. عبد الله بوصوف

مؤرخ؛ أمين عام مجلس الجالية المغربية في الخارج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى