وجهات نظر

حين تتجاوز القيادة منطق المجد الشخصي… فلسفة الخدمة في الخطاب الملكي السامي (الجزء الأول )

قراءة تحليلية في دلالات قول جلالة الملك محمد السادس : “لم أبحث يوماً عن مجد شخصي”

في تاريخ الأمم، تبقى بعض العبارات أكثر من مجرد كلمات عابرة تُلقى في مناسبة رسمية؛ إذ تتحول إلى مفاتيح لفهم رؤية الدولة، وفلسفة القيادة، وحدود العلاقة بين المسؤولية والسلطة.

ومن هذا المنطلق، تبرز العبارة التي وردت في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، والتي قال فيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله:

«كما أنني لم أبحث يوماً عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم.»

إن هذه العبارة لا تختزل موقفا شخصيا فحسب، بل تحمل، في القراءة التحليلية، رؤية متكاملة لمعنى القيادة كما يعرضها الخطاب،فهي تنقل النقاش من سؤال المكانة الشخصية إلى سؤال خدمة الدولة، ومن البحث عن الاعتراف إلى التركيز على المسؤولية، ومن رمزية المنصب إلى جوهر الرسالة التي تضطلع بها المؤسسات في خدمة الوطن والمواطن.

فالقيادة، كما تعكسها هذه الرسالة، لا تقاس بما يقال عنها في المحافل الدولية، ولا بحجم الإشادة التي قد تحظى بها، وإنما بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، وعلى تحويل الطموحات الوطنية إلى سياسات ومشاريع ومؤسسات قادرة على الصمود والاستمرار.

ومن هنا، فإن هذه العبارة تكتسب بعدا يتجاوز سياقها المباشر، لأنها تقدم تصورا للسلطة بوصفها تكليفاً ومسؤولية قبل أن تكون امتيازا أو موقعا رمزيا،وهي فكرة تجد جذورها في مفهوم الدولة التي تضع خدمة الصالح العام في مقدمة أولوياتها، وتجعل من كرامة المواطن المعيار الحقيقي لقياس نجاح السياسات العمومية.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذا المقطع هو استعمال جلالة الملك لعبارة «أمانة خدمتك» فاختيار كلمة الأمانة ليس اختيارا لغويا عابرا، بل يحمل دلالة أخلاقية وسياسية عميقة.

فالأمانة، في الثقافة السياسية المغربية، كما في المرجعية الإسلامية، ترتبط بالمسؤولية والالتزام والوفاء بالواجب، وتستدعي الإخلاص في أداء المهمة وتحمل تبعاتها،وعندما تربط هذه الأمانة بخدمة المواطن، فإن الخطاب يضع الإنسان في قلب المشروع التنموي، ويجعل تحسين ظروف عيشه الغاية النهائية لكل إصلاح أو ورش استراتيجي.

وليس من قبيل الصدفة أن تأتي هذه الرسالة بعد سبعة وعشرين عاماً من اعتلاء جلالة الملك العرش،فهذه المدة الزمنية تسمح بقراءة المسار في شموليته، لا من خلال حدث واحد أو مشروع بعينه، بل عبر تراكمات امتدت إلى مجالات متعددة.

فمنذ بداية العهد الجديد، عرف المغرب إطلاق أوراش كبرى في البنيات التحتية، وتحديثا لعدد من القطاعات الاقتصادية، وتوسيعا للاستثمارات الصناعية، وتطويرا لمشاريع الطاقة المتجددة، إلى جانب برامج اجتماعية استهدفت تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وفعلا يأتي الخطاب ليعيد التأكيد على أن قيمة هذه المنجزات لا تكمن في حجمها فحسب، وإنما في قدرتها على تحسين حياة المواطنين وتعزيز فرص التنمية.

وعلى المستوى السياسي، تكشف هذه العبارة عن فهم للقيادة يختلف عن التصورات التي تربط نجاح الدولة بالخطاب الدعائي أو بالبحث عن صورة إعلامية براقة،فالخطاب لا يقدم المكانة الدولية باعتبارها غاية مستقلة، بل باعتبارها ثمرة لمسار داخلي قائم على ترسيخ الاستقرار، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، والانفتاح على الشراكات المتوازنة،ومن ثم، فإن الحضور المغربي في محيطه الإقليمي والدولي يقدم بوصفه امتدادا لقوة البناء الداخلي، لا بديلاً عنه.

لقد أصبح المغرب، خلال العقود الأخيرة، طرفا فاعلا في عدد من المبادرات الإقليمية والقارية، ووسع شبكة شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية، واستقطب استثمارات صناعية كبرى، واحتضن تظاهرات دولية وقارية، وهي معطيات غالبا ما تستحضر في النقاش العمومي عند الحديث عن مكانة المملكة.

غير أن ما يميز الخطاب الملكي هو أنه يعيد ربط هذه المكانة بهدف أسمى، يتمثل في خدمة المواطن وتعزيز شروط العيش الكريم، بما يجعل الحضور الخارجي وسيلة لدعم التنمية الوطنية، لا غاية قائمة بذاتها.

ومن زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذا المقطع يختزل معادلة متوازنة بين الشرعية والإنجاز،فالشرعية، في الدولة الحديثة، لا تستند إلى الأساس الدستوري والمؤسساتي وحده، بل تتعزز أيضاً بقدرة الدولة على تحقيق التنمية، وحماية الاستقرار، وتوفير شروط الكرامة للمواطنين. والإنجاز، بدوره، لا يكتمل إلا عندما ينعكس أثره على حياة الناس، ويترجم إلى فرص عمل، وخدمات أفضل، وآفاق أوسع للأجيال المقبلة.

ولذلك، فإن القراءة المتأنية لهذا المقطع لا تقود إلى فهمه باعتباره تعبيرا عن تواضع شخصي فحسب، وإنما باعتباره رسالة سياسية وأخلاقية تؤكد أن معيار النجاح، كما يعرضه الخطاب الملكي، هو مقدار ما يتحقق للمواطن من أمن، واستقرار، وتنمية، وفرص للعيش الكريم…

ميلود رقيق

فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى