
عملية حسابية واحدة تكفي: لماذا الاقتصاد المغربي أكبر فعليا من نظيره الجزائري؟
لا حاجة لعشرات المؤشرات المركبة ولا لتقارير مؤسسات التصنيف الائتماني لإثبات حقيقة يحاول الخطاب الرسمي الجزائري التهرب منها. عملية حسابية واحدة، بأرقام اليوم نفسها، كافية لقلب الصورة التي يروَّج لها رأسا على عقب: الاقتصاد المغربي، بالدولار الحقيقي القابل للتداول فعلا، أكبر حجما من الاقتصاد الجزائري، لا أقوى منه فحسب.
الرقمان اللذان لا يلتقيان أبدا
يعلن صندوق النقد الدولي، اعتمادا على سعر الصرف الرسمي المعتمد لدى بنك الجزائر، توقعا لناتج محلي إجمالي جزائري يبلغ نحو 317 مليار دولار لعام 2026. هذا الرقم صحيح حسابيا، بمعنى أنه ناتج عن ضرب الكتلة النقدية بالدينار في سعر صرف معلن رسميا، يقارب اليوم 132,9 دينارا للدولار الواحد وفق آخر تسعيرة صادرة عن البنك المركزي. المشكلة ليست في العملية الحسابية، بل في السعر نفسه: فهو سعر إداري، تحدده السلطة النقدية بمعزل عن قوى العرض والطلب الفعلية على العملة الصعبة داخل الاقتصاد الجزائري.
وللسعر الحقيقي عنوان معروف لدى كل جزائري: “بورصة السكوار”، الساحة غير الرسمية في قلب العاصمة حيث يُباع الدولار ويُشترى بعيدا عن أي وصاية إدارية. وسعر الدولار هناك، وفق آخر تحديث بتاريخ 17 أغسطس 2026، يبلغ 240 دينارا، أي ما يقارب ضعف السعر الرسمي تقريبا. هذا الفارق ليس شائعة ولا مبالغة معارضة، بل واقع يعيشه كل من يحتاج دولارات فعلية لسفر أو استيراد أو ادخار، ويعجز عن الحصول عليها بالسعر الرسمي المعلن.
الحساب الذي لا تريد الجزائر الرسمية إجراءه
وهنا بالضبط تكمن أهمية الرجوع إلى المعطى الأولي بدل الاكتفاء بالرقم النهائي بالدولار. يذكر دليل استثماري صادر عن مكتب “KPMG” الدولي، استنادا إلى بيانات قانون المالية لسنة 2026 نفسه، أن الكتلة النقدية للناتج المحلي الجزائري بالدينار تبلغ نحو 41,878 مليار دينار. هذا الرقم بالدينار هو الثابت الوحيد في المعادلة، أما ترجمته بالدولار فتتغير كليا بحسب السعر المعتمد: بالسعر الإداري تُترجَم هذه الكتلة إلى الرقم الرسمي المعلن عالميا، أما حين تُقسَّم النقدية نفسها على سعر السكوار البالغ 240 دينارا للدولار، فإن الناتج يتقلص إلى ما يقارب 174.5 مليار دولار فقط. وبما أن الدينار الجزائري واحد في الحالتين ولم يتغير مقدار إنتاجه شيئا، فإن الفارق الهائل بين الرقمين لا يعكس أي تحول اقتصادي حقيقي، بل يكشف ببساطة أي سعر من الاثنين يعكس القيمة الفعلية للعملة وأيهما مجرد بناء إداري.
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية: الاقتصاد المغربي لا يحتاج إلى أي عملية تصحيح من هذا النوع. فنظام الصرف المغربي مرن ومربوط بسلة عملات مرجعية، بلا فجوة تُذكر بين السعر الرسمي وسعر التداول الفعلي، وهو ما يجعل ناتجه المحلي المعلن، البالغ نحو 194,3 مليار دولار وفق تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026، رقما “نظيفا”، لا يحتاج إلى أي تعديل أو تشكيك. وحين يُقارَن هذا الرقم النظيف بالرقم الجزائري بعد تصحيحه، أي 175 مليار دولار مقابل 194 مليار دولار، تصبح النتيجة واضحة لا لبس فيها: الاقتصاد المغربي أكبر فعليا بفارق يقترب من 20 مليار دولار، أي بما يزيد عن 10%، حتى في أفضل الفرضيات الممكنة للجانب الجزائري.
اعتراض متوقع، وجواب عليه
قد يقول قائل إن سعر السوق الموازية ليس مقياسا “رسميا” يصح الاعتماد عليه في مقارنات دولية جادة. الرد على هذا الاعتراض بسيط: سعر الصرف الموازي ليس شائعة عابرة، بل هو انعكاس مباشر لقانون العرض والطلب الحقيقي على الدولار داخل اقتصاد يفرض قيودا صارمة على الصرف الرسمي. وحين توفرت فرصة تاريخية لاختبار هذا المنطق في حالة مشابهة، أي حين وحّدت نيجيريا سعري الصرف الرسمي والموازي للنيرا عام 2023، تراجع ناتجها المحلي الاسمي المعلن بالدولار من نحو 477 مليار دولار إلى أقل من 250 مليار دولار بين ليلة وضحاها، دون أن يتغير مقدار إنتاج فعلي واحد داخل البلاد. الرقم لم “يتقلص”، بل تحرر ببساطة من فقاعة حسابية مصطنعة، وهو المصير المنطقي المتوقع لأي رقم جزائري رسمي يُعاد تقويمه يوما بسعر واقعي.
من يملك الدخل الحقيقي أعلى، وكيف يُثقل هذا الفارق قدرة الاستدانة القادمة؟
انعكاس الفجوة الأخطر يظهر في نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام، أو مستوى الدخل الفردي. فحين يُقسَّم الناتج المحلي المصحح على عدد السكان، ينخفض دخل الفرد الجزائري الحقيقي إلى نحو 3,630 دولارا سنويا، بدل الرقم الرسمي المعلن عالميا والبالغ نحو 6,628 دولارا، بينما يبقى دخل الفرد المغربي عند مستواه الحقيقي أصلا، أي نحو 5,100 دولار سنويا، لأنه لا يحتاج أي تصحيح. النتيجة معكوسة كليا لما توحي به المقارنات الرسمية: المواطن المغربي العادي يملك فعليا دخلا حقيقيا أعلى بنحو 40% من نظيره الجزائري، لا أقل منه كما تشير الأرقام المعلنة دوليا. وهذا الفارق ليس تفصيلا إحصائيا، بل تفسير مباشر لضرورة استمرار منظومة الدعم الجزائرية الواسعة، فحين يكون الدخل الحقيقي للفرد منخفضا إلى هذا الحد، يصبح دعم الخبز والمحروقات والأدوية شرطا لتفادي أزمة اجتماعية، لا خيارا سياسيا سخيا كما يُصوَّر رسميا. أما المغرب، فيستطيع تدريجيا استهداف الدعم بدل تعميمه، لأن دخل مواطنيه الحقيقي أصلا يعكس قدرتهم الشرائية الفعلية دون حاجة لتغطية فجوة مصطنعة.
هذا الفارق نفسه سيصبح عبئا مضاعفا يوم تضطر الجزائر إلى العودة للاستدانة الخارجية، وهو مسار شبه حتمي إذا استمر العجز الحقيقي عند مستوى يقارب 23% من الناتج كما أوضحنا سابقا، إذ لا يمكن تمويل عجز بهذا الحجم إلى الأبد عبر التمويل غير التقليدي واستنزاف الاحتياطي وحدهما. فحين تطرق الجزائر أبواب المقرضين الدوليين، سواء صندوق النقد أو أسواق السندات السيادية، فإن أي تقييم جاد لقدرتها على السداد سيُحسب بالضرورة مقابل الناتج الحقيقي القابل للتداول، لا الرقم الإداري المعلن. فقرض بقيمة 20 مليار دولار، يبدو اليوم متواضعا عند نسبة 6.3% فقط من الناتج الرسمي البالغ 317 مليار دولار، يتحول فوريا إلى ما يقارب 11.5% من الناتج الحقيقي البالغ 174.5 مليار دولار، أي ضعف العبء الذي توحي به الحسابات الرسمية. وهذا يعني أن الهامش الحقيقي المتاح للجزائر للاستدانة الخارجية أضيق بكثير مما تفترضه أي مقارنة سطحية بحجمها المعلن، وأن أي تفاوض مستقبلي مع دائنين دوليين سيصطدم عاجلا أم آجلا بفجوة الصرف نفسها، إما عبر تسعير مخاطر أعلى، أو عبر اشتراط توحيد سعري الصرف كشرط مسبق للتمويل، تماما كما حدث مع نيجيريا قبل عودتها التدريجية إلى أسواق الدين الدولية.
خلاصة لا تحتمل التأويل
يمكن للدعاية الرسمية الجزائرية أن تستمر في ترديد رقم 317 مليار دولار في كل مناسبة دولية، لكنها لن تستطيع أبدا أن تشتري بهذا الرقم دولارا واحدا فعليا بسعره المعلن، لأن السوق نفسه يرفض هذا السعر ويصحّحه يوميا في “السكوار” على مرأى من الجميع. أما المغرب، فلا يحتاج لخطاب مواز يبرر الفارق بين ما يُعلن وما هو كائن فعلا، لأن رقمه، ببساطة، هو رقمه الحقيقي منذ البداية. وهذه، تحديدا، هي المعادلة التي يتجنب النظام الجزائري طرحها على مواطنيه: ليس فقط أن اقتصاده أضعف بنيويا من جاره الغربي، بل أنه، بالدولار الحقيقي القابل للصرف فعلا، أصغر حجما منه أيضا، والأهم، أن المواطن الجزائري أفقر كثيرا من شقيقه المغربي!!




