أرشيف

الزاوية الدرقاوية وامتداداتها | من التقشف إلى شبكة النفوذ الهادئة

إمبراطورية الأرواح | خريطة نفوذ الزوايا الصوفية المغربية في أفريقيا (الحلقة الخامسة)

في أواخر القرن الثامن عشر، كسر مولاي العربي الدرقاوي قاعدة ذهبية من قواعد التصوف التقليدي: خرج من الهدوء الآمن لزاوية شيخه إلى الفضاء العام معلناً تجديداً روحياً شاملاً، ومتحدياً ما رآه انحرافاً في سلوك شيوخ عصره الذين آثروا النفوذ الاجتماعي على التربية الروحية. جاب المغرب من الريف إلى الجنوب، وألبس مريديه المرقعة والخرقة في وقت كان فيه ذلك إعلاناً صريحاً عن التنازل عن كل مظاهر الاعتبار الاجتماعي، وجمع حوله طلاباً من كل طبقات المجتمع أقسموا على السلوك بمنهج الزهد والتربية الذاتية المتقشفة. لم يكن يؤسس طريقة صوفية جديدة تُضاف إلى سجل الطرق، بل كان يشعل حركة إصلاح روحي من قلب المغرب.

لم يعلم مولاي العربي الدرقاوي أن ما أسسه سيصبح المحرك الروحي لأهم فروع التصوف المغربي المعاصر، وأن أبناء طريقته بتعدد مشاربهم واختلاف أساليبهم سيمثلون اليوم شبكة النفوذ المغربي الأكثر تنوعاً وتغلغلاً في الفضاء الأفريقي.

شجرة الدرقاوية: الأصل وموقعها من المنظومة المغربية

الدرقاوية ليست طريقة مستقلة بالمعنى الكامل، بل هي تجديد جذري داخل المدرسة الشاذلية. مولاي العربي الدرقاوي أخذ طريقه من الشيخ علي الجمل العمراني، وهو ينتهي سنده إلى الشاذلية عبر سلسلة إسناد متصلة. لكن التجديد الذي أحدثه كان جوهرياً لدرجة أن طريقته باتت تُعرّف ذاتها أحياناً باسمها الخاص لا بالاسم الأصلي، وهو ما يفسر حضورها الطاغي في أي حديث عن التصوف المغربي الحديث.

الارتباط العضوي بين الدرقاوية والمغرب ليس مجرد انتساب تاريخي، بل هو ارتباط جغرافي وتكويني ومؤسسي متجدد. الزوايا الأم للدرقاوية في فاس وتازة ووجدة ظلت على مدى قرنين المرجع الروحي الذي يقصده طلاب الطريقة من كل الأقطار، وفيها يأخذون إجازاتهم ويجددون ارتباطهم بالسلسلة الأصلية. وقد احتفظت هذه الزوايا بعلاقة تاريخية مع مؤسسة إمارة المؤمنين، إذ إن ارتباط الطريقة بالسلطان المغربي بوصفه أميراً للمؤمنين منحها شرعية رسمية جعلت من المرجعية المغربية جزءاً لا يُنزع من هويتها حتى في أبعد امتداداتها الأفريقية. الشيخ الدرقاوي في مالي أو موريتانيا أو شمال النيجر يحمل إجازة سلسلتها تمر عبر المغرب، وهذا المسار ليس شكلياً بل هو الرابط الذي يجعل المرجعية المغربية حاضرة في كل زاوية درقاوية مهما بعدت جغرافياً.

الامتداد الأفريقي: حين تسبق الزاوية الدولة

لا يبلغ المرء عمق الامتداد الدرقاوي في أفريقيا إلا حين يدرك أن هذا الامتداد سبق الدبلوماسية الرسمية بعقود بل بأجيال. الزوايا الدرقاوية في شمال مالي وموريتانيا وشمال النيجر لم تنتظر اتفاقيات تعاون ولا تمويلاً حكومياً لتترسخ في مجتمعاتها، بل وصلت عبر الشيوخ والطلاب والقوافل التجارية التي كانت تجعل من الزاوية محطة روحية لا غنى عنها في طريق العلم والتجارة معاً.

اليوم، يرى شيوخ الدرقاوية في هذه المناطق أنفسهم جزءاً من منظومة روحية مركزها في المغرب، وهذا الإحساس بالانتماء لا تصنعه الخطابات السياسية بل تصنعه الإجازة الروحية المتوارثة والذاكرة الجماعية المشتركة. حين يجلس شيخ درقاوي في تمبكتو مع مريديه يتلون أوراد الطريقة، فإن ما يتلونه جاءهم من المغرب عبر سلسلة بشرية متصلة، وهذا الخيط الروحي الخفي هو أصلب وأبقى من أي حضور دبلوماسي رسمي.

هذا ما يجعل الدرقاوية في أفريقيا نموذجاً فريداً للقوة الناعمة التي لا تحتاج إلى ميزانية ولا إلى توجيه مركزي، لأن آليات اشتغالها الداخلية تُنتج تلقائياً ارتباطاً بالمرجعية المغربية.

أبرز الفروع: تنوع في الأسلوب ووحدة في الأصل

الفرع العلوي

نسبة إلى الشيخ أحمد بن عليوة الذي أسس الطريقة العلوية في مدينة مستغانم الجزائرية مطلع القرن العشرين، يمثّل نموذجاً مختلفاً في التجليات الخارجية للدرقاوية. بن عليوة كان متعمقاً في الموروث الصوفي لكنه امتلك قدرة نادرة على الحوار مع التيارات الفكرية الغربية، وقد نجح في استقطاب عدد من المفكرين والفنانين الأوروبيين الذين رأوا في تصوفه جسراً بين الشرق والغرب.

الشيخ أحمد بن عليوة لم يكتفِ بتقديم التصوف للغربيين كممارسة روحية وافدة، بل طرحه بوصفه إجابة فلسفية على الأسئلة الكبرى التي أنتجتها الحداثة الغربية ذاتها. هذا المنهج في الحوار الحضاري استقطب مفكرين وأدباء وفنانين أوروبيين وجدوا في التصوف المغربي ما لم يجدوه في الأنظمة الفلسفية الغربية المعاصرة. ورثة بن عليوة في الطريقة العلوية اليوم يواصلون هذا المسار، مما يجعل العلوية أداة ناعمة من نوع خاص لا تخاطب المسلمين وحدهم بل تطرق أبواب النخب الثقافية الغربية التي تؤثر بدورها في السياسات والمواقف. الطريقة العلوية اليوم تمتلك حضوراً في أوروبا وأمريكا الشمالية يتجاوز مجرد خدمة الجاليات المسلمة، مما يمنح المرجعية الصوفية المغربية بُعداً دولياً يتجاوز القارة الأفريقية ويكمّل بُعدها الأفريقي في منظومة متكاملة.

الفرع الهبري

يعمل في الظل لكنه لا يفتقر إلى التأثير. يتمركز في مناطق الحدود المغربية الجزائرية وامتداداتها نحو الساحل، وهو يُعدّ من أكثر فروع الدرقاوية حضوراً بين الشباب وفي مناطق التماس الجغرافي الحساسة. طبيعة عمله الهادئة بعيداً عن الإعلام لا تعكس هامشيته، بل تعكس منهجه في التغلغل الاجتماعي التدريجي الذي يكون أحياناً أكثر رسوخاً من الحضور الإعلامي الصاخب. الهبرية تشغل اليوم موقعاً حساساً في الجغرافيا الروحية للمنطقة لأنها تعمل في المناطق ذاتها التي تستهدفها التنظيمات الجهادية في الساحل، مما يجعلها خط الدفاع الأول عن النموذج الصوفي المغربي في مواجهة الخطاب الديني الوافد.

منهج الزهد المطلق: سر التأثير في الأوساط الشعبية

يكمن أحد أكثر أسرار الدرقاوية إثارةً للاهتمام الاستراتيجي في أن طريقة الزهد والتقشف، التي قد تبدو للوهلة الأولى عاملاً محدوداً للانتشار بين جماهير عريضة، هي بالضبط ما منحها شرعية شعبية استثنائية في المجتمعات الأفريقية الفقيرة. الطريقة التي ترتدي مرقعة وتحمل عصا وتصرّ على حياة التقشف في زمن تستعرض فيه كثير من المؤسسات الدينية ثرواتها وسلطانها، هي طريقة يثق بها الفقير ومحدود الحال أكثر مما يثق بغيرها. هذه الشرعية من الأسفل التي تكسبها الدرقاوية من تمسكها بمبادئها الزهدية تختلف جوهرياً عن الشرعية التي تسعى إليها مؤسسات أخرى عبر الترف المادي والمباني الفارهة.

لكن هذه الخصيصة الجوهرية ذاتها هي ما يجعل الدرقاوية أصعب طواعيةً مؤسسية مقارنةً بالتيجانية. الطريقة التي تقوم على مبدأ الحرية الروحية وكسر الأنا والرفض الجذري للتبعية لأي سلطة دنيوية لن تقبل بسهولة أن تتحول إلى ذراع دبلوماسي مباشر. وهذا ليس ضعفاً في علاقتها بالمشروع المغربي، بل هو في الواقع نقطة قوة: حين يعبّر شيخ درقاوي عن تأييده لأطروحة مغربية ما، فإن الناس يصدّقونه تحديداً لأنهم يعرفون أنه لا يخضع لأحد.

الدرقاوية والشأن السياسي: الاستقلالية التي تصون المصداقية

خلافاً لما قد يُتوقَّع، فإن الاستقلالية الهيكلية للدرقاوية عن التوجيه السياسي المباشر لا تعني انعزالها عن الشأن الاجتماعي والسياسي. تاريخياً، كانت الدرقاوية في طليعة الطرق التي واجهت الاستعمار الفرنسي في المغرب والجزائر، وهذا التراث في المقاومة منح أتباعها وعياً بالشأن العام أعمق مما هو سائد في طرق أخرى أكثر انزواءً عن السياسة.

في المشهد المعاصر، تمثّل الدرقاوية الجسر الروحي الذي يبقى مفتوحاً حتى حين تُغلَق الجسور السياسية. حين تتوتر العلاقات بين المغرب والجزائر، وهو توتر يكاد يكون سمة بنيوية في العلاقة بين البلدين، فإن الزوايا الدرقاوية المتوزعة على جانبي الحدود تظل تحتفظ بقنوات تواصل اجتماعي وعائلي لا تعطّلها القرارات الرسمية. وحين تتصاعد الأزمة الأمنية في الساحل، فإن شيوخ الطرق الدرقاوية في مناطق التماس يملكون أحياناً تأثيراً على الأطراف المتنازعة لا تملكه وزارات الخارجية.

هذه الوظيفة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة عبر الأزمات هي ربما أثمن ما تقدمه الدرقاوية للمشروع الاستراتيجي المغربي في أفريقيا، لأنها تُنجز ما لا تستطيع الدبلوماسية الرسمية إنجازه حين تُغلق أبوابها.

رهانات الدرقاوية الراهنة: الهشاشة الجغرافية وضغط التنافس

المنطقة التي تتمركز فيها أكثر فروع الدرقاوية نشاطاً، من الحدود المغربية الجزائرية إلى عمق الساحل، هي في الوقت ذاته أكثر مناطق القارة توتراً أمنياً. الهبرية التي تعمل في مناطق التماس الحدودية تجد نفسها في وسط فضاء جيوسياسي يتصارع فيه لاعبون متعددون: التنظيمات الجهادية في الساحل، والنفوذ الروسي المتصاعد عبر الفيلق الأفريقي، والتمدد التركي عبر أدواته الدينية والاقتصادية، والمتغير الجزائري الذي يرى في هذه الشبكات الروحية المغربية مصدر قلق لا مصدر تعاون.

التحدي الاستراتيجي الأعمق الذي تواجهه الدرقاوية في الفضاء الأفريقي هو ما يمكن تسميته بمعضلة التوثيق. الطبيعة الزاهدة والمتحفظة للطريقة جعلت حضورها دائماً أقل مما هو موجود فعلياً على أرض الواقع، لأن شيوخها لا يسعون إلى التوثيق الإعلامي ولا إلى الحضور في المؤتمرات الدولية. هذا التحفظ الذي هو شرف للطريقة من منظورها الروحي يتحوّل إلى مشكلة استراتيجية حين يغيب الحضور عن الخارطة الرسمية للنفوذ المغربي في أفريقيا، ويُصعّب تضمينه في أي تخطيط مؤسسي منهجي.

لقد اختارت السلطات المغربية، ومراعاة لهذه الخصوصية التي تتمتع بها الدرقاوية، أن تتيح للزاوية الاحتفاظ باستقلاليتها الروحية كاملةً مع بناء قنوات تنسيق هادئة تترجم تقاطع المصالح إلى تعاون عملي. الدرقاوية لا تحتاج إلى توجيه، هي موجودة ومؤثرة بحكم طبيعتها، لكنها تحتاج إلى اعتراف مؤسسي يحفظ لها موقعها في المنظومة الكبرى للدبلوماسية الروحية المغربية، وهو ما تحصل عليه بتقدير واحترام كبيرين.

في الحلقة السادسة نتناول وحدات النخبة الروحية: الزوايا التخصصية التي لا تحرك الملايين لكنها تحرك صانعي القرار، من الناصرية حارسة المخطوطات إلى الكتانية ذات الوزن الفقهي إلى الوزانية التي أرعبت فرنسا الاستعمارية.

هيثم شلبي

رئيس التحرير كاتب وصحفي من الأردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى