المملكة الشريفةالشأن الوطنيمختارات

عيد العرش 2026.. كيف رسّخ المغرب مكانته كفاعل إقليمي ودولي مؤثر في عهد الملك محمد السادس؟

مقدمة

يشكل عيد العرش في المملكة المغربية مناسبة وطنية ذات أبعاد تاريخية وسياسية، إذ يخلد المغاربة يوم الخميس 30 يوليو 2026 الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين في 30 يوليو 1999.فهو محطة سنوية لتقييم مسار الدولة المغربية واستشراف مستقبلها في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فمنذ اعتلاء العاهل المغربي العرش، دخل المغرب مرحلة جديدة اتسمت بإطلاق مشاريع إصلاحية واسعة، وإعادة صياغة أولويات السياسة الداخلية والخارجية، بما جعل المملكة تنتقل تدريجياً من دولة تركز على تدبير التوازنات الداخلية إلى دولة تمتلك طموحاً واضحاً لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي.

لقد عرف العالم خلال العقدين الأخيرين تغيرات عميقة أعادت تشكيل موازين القوى الدولية. فالأزمات الاقتصادية العالمية، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، والاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، وتداعيات الإرهاب والهجرة غير النظامية، ثم جائحة كوفيد-19، وأخيراً الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط، كلها عوامل فرضت على الدول إعادة بناء استراتيجياتها الوطنية وفق منطق جديد يقوم على تعزيز القدرة الذاتية، وتنويع الشراكات، وحماية المصالح الاستراتيجية.

في هذا السياق المضطرب، اختار المغرب بقيادة الملك محمد السادس اتباع مقاربة مختلفة، تقوم على الجمع بين الإصلاح الداخلي والانفتاح الخارجي، وبين ترسيخ الاستقرار السياسي وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وبين تحديث الاقتصاد والاستثمار في القوة الناعمة. وقد ساهم هذا النهج في تعزيز مكانة المملكة باعتبارها فاعلاً يحظى باحترام شركائه، وقادراً على المبادرة في عدد من الملفات الإقليمية.

ولم يعد الحديث عن المغرب اليوم يقتصر على كونه دولة تتمتع بالاستقرار مقارنة بمحيطها الإقليمي، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره شريكاً استراتيجياً في قضايا الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار، ووسيطاً موثوقاً في العديد من الملفات الإفريقية والدولية، فضلاً عن كونه أحد أبرز الاقتصادات الصناعية الصاعدة في القارة الإفريقية.

وتبرز أهمية هذا التحول في أنه لم يكن نتاج ظرف سياسي عابر أو نتيجة تطورات إقليمية مؤقتة، وإنما جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، اعتمدت على تحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز الحكامة، وتطوير البنية التحتية، وإطلاق مشاريع اقتصادية كبرى، وتنويع الشراكات الدولية، وإعادة تعريف موقع المغرب داخل محيطه الإفريقي والمتوسطي والأطلسي.

ولعل من أبرز مظاهر هذا التحول النجاح الذي حققته الدبلوماسية المغربية في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث شهدت السنوات الأخيرة تغيراً ملموساً في مواقف العديد من الدول تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي، إضافة إلى اتساع دائرة افتتاح القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، واعتراف عدد من القوى الدولية بوجاهة المقاربة المغربية باعتبارها أساساً واقعياً لتسوية هذا النزاع.

وفي الوقت نفسه، لم تقتصر استراتيجية الدولة على البعد السياسي والدبلوماسي، بل امتدت إلى بناء مقومات القوة الاقتصادية، من خلال الاستثمار في الصناعات الحديثة، مثل صناعة السيارات والطيران، وتطوير الموانئ الكبرى وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، وتعزيز الأمن الطاقي عبر مشاريع الطاقة المتجددة، فضلاً عن إطلاق مشاريع استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد الأزرق والهيدروجين الأخضر، بما ينسجم مع التحولات العالمية في مجال الطاقة والتنمية المستدامة.

كما استطاع المغرب أن يعزز حضوره في إفريقيا عبر سياسة تقوم على الشراكة الاقتصادية والتنموية، وليس فقط على العلاقات الدبلوماسية التقليدية. فقد توسعت استثمارات الشركات المغربية في قطاعات البنوك والاتصالات والتأمين والفلاحة والأسمدة، وأصبحت المملكة أحد أبرز المستثمرين الأفارقة داخل القارة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، واستقرارها السياسي، وخبرتها المؤسساتية.

وفي المجال الأمني، نجح المغرب في بناء نموذج متقدم في مكافحة الإرهاب والتطرف، يجمع بين المقاربة الأمنية الصارمة والإصلاح الديني والتعاون الاستخباراتي الدولي، وهو ما جعله شريكاً رئيسياً للعديد من الدول الأوروبية والإفريقية والولايات المتحدة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن الناحية النظرية، فإن مفهوم “القوة الإقليمية” لم يعد يقتصر على حجم الجيش أو القوة الاقتصادية فحسب، بل أصبح يشمل القدرة على التأثير في البيئة الإقليمية، وصناعة المبادرات، وإقامة التحالفات، وإنتاج الاستقرار، وتوظيف أدوات القوة الصلبة والناعمة والذكية لتحقيق المصالح الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة التجربة المغربية تكتسب أهمية خاصة، لأنها تقدم نموذجاً لدولة متوسطة الحجم استطاعت، عبر رؤية استراتيجية متكاملة، أن تعزز مكانتها الإقليمية دون الانخراط في سياسات الهيمنة أو الصراع المفتوح.

وانطلاقاً من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل التحولات التي عرفها المغرب منذ سنة 1999، واستكشاف العوامل التي ساهمت في انتقاله من دولة تسعى إلى تثبيت استقرارها الداخلي إلى فاعل إقليمي يمتلك أدوات متزايدة للتأثير السياسي والاقتصادي والدبلوماسي. كما يناقش المقال حدود هذا التحول، والتحديات التي ما تزال تواجه المملكة في ظل بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من التعقيد وعدم اليقين.

وفي هذا الإطار، سيتم تناول الموضوع من خلال مقاربة تحليلية تجمع بين مفاهيم العلاقات الدولية، ودراسات القوة الإقليمية، وتحليل السياسات العامة، بهدف تقديم قراءة علمية لمسار الدولة المغربية في عهد الملك محمد السادس، وتقييم مدى اقترابها من نموذج “القوة الإقليمية الصاعدة” وفق المعايير المعتمدة في الأدبيات السياسية المعاصرة.

SM1

المحور الأول: الإطار النظري لمفهوم القوة الإقليمية وتحولات المكانة المغربية

أولاً: مفهوم القوة الإقليمية في العلاقات الدولية

شهد مفهوم القوة في العلاقات الدولية تحولاً عميقاً منذ نهاية الحرب الباردة. ففي الماضي، كانت القوة تُقاس أساساً بحجم الجيش، وعدد السكان، والقدرات الاقتصادية، بينما أصبحت الدراسات المعاصرة ترى أن مكانة الدولة تتحدد أيضاً بقدرتها على التأثير في بيئتها الإقليمية، وصناعة المبادرات، وبناء التحالفات، وإدارة الأزمات، وتوظيف مختلف أدوات القوة الصلبة والناعمة والذكية بصورة متكاملة.

ويُعرِّف عدد من منظري العلاقات الدولية، مثل باري بوزان (Barry Buzan) وأوليفر شتوينكل (Oliver Stuenkel)، القوة الإقليمية بأنها الدولة التي تمتلك قدرات مادية ومؤسساتية تؤهلها للتأثير في التوازنات السياسية والاقتصادية والأمنية داخل محيطها الجغرافي، مع الاعتراف النسبي من قبل الدول الأخرى بهذا الدور. فالقوة الإقليمية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل أيضاً بمدى قبول محيطها الإقليمي والدولي لدورها القيادي.

ومن هذا المنطلق، تميز الأدبيات الحديثة بين ثلاثة مستويات للقوة:

  • القوة الصلبة (Hard Power): وتشمل القدرات العسكرية والاقتصادية والأمنية.
  • القوة الناعمة (Soft Power): القائمة على الثقافة، والقيم، والدبلوماسية، والتعليم، والدين، والصورة الدولية.
  • القوة الذكية (Smart Power): وهي القدرة على المزج بين الأداتين السابقتين لتحقيق الأهداف الوطنية بأقل تكلفة ممكنة.

وقد أصبح نجاح الدول في القرن الحادي والعشرين مرتبطاً بقدرتها على توظيف هذه العناصر مجتمعة، وليس بالاعتماد على عنصر واحد منها.

ثانياً: معايير تصنيف الدولة كقوة إقليمية

لا يوجد معيار واحد متفق عليه لتصنيف دولة ما باعتبارها قوة إقليمية، إلا أن معظم مراكز الدراسات الاستراتيجية تعتمد مجموعة من المؤشرات المتكاملة، من أهمها:

1. الاستقرار السياسي والمؤسساتي

تُعد المؤسسات القوية والقدرة على إدارة الأزمات من أهم عناصر القوة. فالدول التي تتمتع باستقرار سياسي قادرة على جذب الاستثمارات، وبناء سياسات طويلة الأمد، وتعزيز ثقة شركائها الدوليين.

2. الاقتصاد المنتج

لم تعد القوة الاقتصادية مرتبطة بحجم الناتج الداخلي الخام فقط، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصاد على التنويع، والتصنيع، والابتكار، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

3. الموقع الجيوسياسي

يشكل الموقع الجغرافي عاملاً حاسماً في تعزيز النفوذ الإقليمي، خصوصاً بالنسبة للدول الواقعة عند الممرات البحرية أو التي تربط بين قارات مختلفة.

4. النفوذ الدبلوماسي

يتجسد في قدرة الدولة على الوساطة، وقيادة المبادرات، وتوقيع الشراكات، والتأثير في القرارات الإقليمية والدولية.

5. القدرات العسكرية والأمنية

لا يقتصر الأمر على امتلاك جيش قوي، بل يشمل أيضاً جودة التدريب، والتحديث التكنولوجي، والقدرات الاستخباراتية، والتعاون الأمني مع الشركاء.

6. القوة الناعمة

وتشمل الثقافة، والدين، والرياضة، والتعليم، والإعلام، والمساعدات الإنسانية، وجاذبية النموذج الوطني.

ثالثاً: المغرب… من دولة محورية إلى قوة إقليمية صاعدة

إذا أسقطنا هذه المعايير على الحالة المغربية، نجد أن المملكة استطاعت خلال ربع قرن أن تحقق تقدماً ملحوظاً في معظمها، وهو ما يفسر تزايد الاهتمام الدولي بالتجربة المغربية.

فعلى المستوى السياسي، حافظ المغرب على استقراره في مرحلة شهدت انهيار أنظمة سياسية عديدة في المنطقة العربية والإفريقية، وتمكن من إدارة التحولات الداخلية عبر إصلاحات دستورية ومؤسساتية عززت مرونة النظام السياسي وقدرته على التكيف مع المتغيرات.

أما اقتصادياً، فقد انتقل المغرب من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة وبعض الصناعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، حيث أصبحت المملكة منصة صناعية في مجالات السيارات والطيران والصناعات الكهربائية، فضلاً عن تطوير بنية تحتية تُعد من بين الأكثر تقدماً في إفريقيا، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط وشبكات الطرق السيارة والقطار فائق السرعة.

وعلى المستوى الدبلوماسي، انتهج المغرب سياسة خارجية تقوم على تنويع الشركاء، وعدم الارتهان لمحور دولي واحد، مع الحفاظ على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والانفتاح في الوقت نفسه على الصين والهند ودول الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء.

كما استطاعت المملكة أن تعيد تموقعها داخل القارة الإفريقية بعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وأن تعزز حضورها الاقتصادي والسياسي من خلال عشرات الاتفاقيات الثنائية ومشاريع الاستثمار والتنمية.

GGG

رابعاً: الرؤية الملكية بوصفها محركاً للتحول الاستراتيجي

يصعب فهم التحول المغربي دون الوقوف عند الرؤية الاستراتيجية التي قادت هذا المسار. فمنذ السنوات الأولى لاعتلاء الملك محمد السادس العرش، برز توجه يقوم على بناء دولة حديثة تجمع بين الاستمرارية والإصلاح، وتوازن بين المحافظة على الثوابت الوطنية والانفتاح على التحولات العالمية.

وقد انعكس هذا التوجه في عدد من المبادرات الكبرى، مثل:

  • إصلاح الإدارة وتحديث المؤسسات.
  • إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
  • الاستثمار المكثف في البنية التحتية.
  • توسيع شبكة اتفاقيات التجارة الحرة.
  • تعزيز الحضور الاقتصادي في إفريقيا.
  • تطوير الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
  • تبني سياسة خارجية استباقية تقوم على المبادرة بدل رد الفعل.

هذه الرؤية لم تكن مجرد مشاريع متفرقة، بل شكلت إطاراً استراتيجياً متكاملاً هدفه رفع القدرة التنافسية للمغرب وتعزيز استقلالية قراره الوطني.

خامساً: منطق الدولة المبادِرة لا الدولة المتلقية

من أهم مظاهر التحول الذي شهده المغرب انتقاله من سياسة خارجية يغلب عليها الدفاع عن المواقف إلى سياسة أكثر مبادرة. فبدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع الأحداث، أصبح المغرب يطرح مبادرات إقليمية في مجالات التنمية، والتعاون جنوب-جنوب، والطاقات المتجددة، وربط بلدان الساحل بالمحيط الأطلسي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير البنية اللوجستية.

ويمثل هذا التحول أحد أهم مؤشرات صعود القوى الإقليمية؛ إذ إن الدولة المؤثرة لا تكتفي بحماية مصالحها، بل تسهم أيضاً في صياغة الأجندة الإقليمية وطرح الحلول للمشكلات المشتركة.

لقد أسهم هذا النهج في تعزيز صورة المغرب كشريك موثوق، يمتلك رؤية بعيدة المدى، ويستند إلى مؤسسات مستقرة، وهو ما انعكس في تنامي الثقة الدولية في الاقتصاد المغربي، وارتفاع جاذبية المملكة للاستثمارات، وتوسع شبكة شراكاتها السياسية والاقتصادية.

المحور الثاني: الدبلوماسية الملكية… من إدارة العلاقات إلى صناعة النفوذ الإقليمي

أولاً: التحول في فلسفة السياسة الخارجية المغربية

شهدت السياسة الخارجية المغربية، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، تحولاً نوعياً في فلسفتها وأدواتها وأهدافها. فبعد أن كانت الدبلوماسية المغربية، خلال عقود سابقة، تركز بدرجة كبيرة على الدفاع عن المصالح الوطنية وإدارة الملفات الثنائية، أصبحت أكثر دينامية ومبادرة، قائمة على استباق التحولات الدولية وبناء شراكات متعددة الأبعاد.

ويُلاحظ أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في أساليب العمل الدبلوماسي، بل مثّل انتقالاً من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية الفعل والمبادرة. فالمغرب لم يعد ينتظر مخرجات التفاعلات الإقليمية والدولية، بل أصبح يسعى إلى التأثير في مساراتها، سواء عبر إطلاق المبادرات أو عبر توظيف موقعه الجغرافي وإمكاناته الاقتصادية والسياسية لتعزيز حضوره.

وفي هذا السياق، تبنت المملكة سياسة خارجية تقوم على أربعة مرتكزات رئيسية:

  • الدفاع الحازم عن المصالح العليا للدولة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
  • تنويع الشراكات الدولية دون الارتهان لمحور واحد.
  • توسيع العمق الإفريقي للمغرب.
  • ربط السياسة الخارجية بالتنمية الاقتصادية وجذب الاستثمار.

لقد مكّن هذا التصور المغرب من اكتساب هامش أوسع للحركة في بيئة دولية تتسم بالتنافس بين القوى الكبرى، ومن بناء شبكة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين ودول الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء، بما عزز استقلالية القرار الوطني.

ثانياً: قضية الصحراء… من نزاع إقليمي إلى رافعة للدبلوماسية المغربية

يصعب الحديث عن تطور مكانة المغرب الإقليمية دون التوقف عند التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، الذي ظل لعقود المحدد الرئيسي للسياسة الخارجية للمملكة.

فمنذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، انتقلت الدبلوماسية المغربية من الاكتفاء بالدفاع عن الموقف الوطني إلى العمل على كسب الاعتراف الدولي بواقعية هذا المقترح باعتباره أساساً جدياً وذا مصداقية لتسوية النزاع.

وخلال السنوات الأخيرة، حققت المملكة سلسلة من المكاسب الدبلوماسية المهمة، تمثلت في:

  • تزايد عدد الدول التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأكثر واقعية للحل.
  • افتتاح عشرات القنصليات العامة في مدينتي العيون والداخلة.
  • تنامي الدعم الدولي للمقاربة المغربية داخل المؤسسات الدولية.
  • تعزيز الاعتراف العملي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية من خلال الاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية.

ويعكس هذا التطور نجاح الدبلوماسية المغربية في تحويل قضية الصحراء من ملف دفاعي إلى عنصر قوة يعزز حضور المملكة على الساحة الدولية، ويمنحها قدرة أكبر على بناء التحالفات.

ثالثاً: العودة إلى إفريقيا… من الحضور الرمزي إلى الشراكة الاستراتيجية

شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 نقطة تحول مفصلية في سياسته الخارجية.

فبدلاً من الاكتفاء بإدارة العلاقات السياسية التقليدية، اعتمدت المملكة مقاربة جديدة تقوم على التنمية المشتركة، باعتبارها المدخل الأكثر استدامة لتعزيز النفوذ.

وقد تجسد هذا التوجه في:

  • توسع استثمارات الأبناك المغربية داخل إفريقيا.
  • انتشار شركات الاتصالات والتأمين المغربية.
  • مشاريع إنتاج الأسمدة ودعم الأمن الغذائي.
  • برامج تكوين الأئمة والطلبة الأفارقة.
  • التعاون في مجالات الصحة والتكوين المهني.

وقد أسهم هذا الحضور الاقتصادي والإنساني في بناء صورة المغرب كشريك للتنمية، وليس مجرد فاعل سياسي يبحث عن النفوذ.

رابعاً: المبادرة الأطلسية… إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة

من أبرز المبادرات التي عكست التحول في التفكير الاستراتيجي المغربي، المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

وتحمل هذه المبادرة أبعاداً تتجاوز الجانب اللوجستي، إذ تعكس تصوراً جديداً يجعل من المغرب بوابة اقتصادية واستراتيجية تربط إفريقيا بالأسواق العالمية.

كما تهدف إلى:

  • فك العزلة عن الدول غير الساحلية.
  • تعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي.
  • خلق ممرات تجارية جديدة.
  • دعم الاستقرار عبر التنمية الاقتصادية.

ومن منظور العلاقات الدولية، تمثل هذه المبادرة انتقال المغرب من دولة تتكيف مع البيئة الإقليمية إلى دولة تسهم في إعادة تشكيلها، وهو أحد أبرز معايير القوة الإقليمية الصاعدة.

INIT

خامساً: تنويع الشراكات الدولية… استقلالية القرار الوطني

من السمات البارزة للدبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس اعتماد سياسة تنويع الشركاء.

فالمغرب حافظ على علاقاته التاريخية مع أوروبا، وعزز شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته وسّع تعاونه مع الصين والهند واليابان ودول الخليج وعدد من القوى الصاعدة.

وقد منح هذا التنوع المملكة عدة مزايا:

  • تقليص الاعتماد على شريك واحد.
  • توسيع مصادر الاستثمار والتكنولوجيا.
  • تعزيز القدرة التفاوضية.
  • حماية القرار الوطني من الضغوط الجيوسياسية.

وتنسجم هذه المقاربة مع ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بسياسة التوازن المرن، التي تعتمدها الدول المتوسطة لتعظيم مكاسبها في نظام دولي متعدد الأقطاب.

سادساً: القوة الناعمة… ركيزة موازية للدبلوماسية

لم يقتصر صعود المغرب على أدوات السياسة التقليدية، بل استثمر أيضاً في عناصر القوة الناعمة.

فإلى جانب مكانته الدينية باعتبار الملك أميراً للمؤمنين، عملت المملكة على تعزيز إشعاعها الثقافي والإنساني من خلال:

  • معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات.
  • المنح الدراسية الموجهة للطلبة الأفارقة.
  • التعاون الثقافي والديني.
  • الدبلوماسية الإنسانية خلال الأزمات والكوارث.
  • الانفتاح على الجاليات المغربية بالخارج.

كما أسهم النجاح الرياضي للمغرب، سواء في مونديال قطر 2022 أو في استضافة أحداث رياضية كبرى، في تعزيز الصورة الإيجابية للمملكة، وتحويل الرياضة إلى أداة فعالة للدبلوماسية العامة.

تكشف التجربة المغربية أن الدبلوماسية لم تعد مجرد وسيلة لإدارة العلاقات بين الدول، بل أصبحت أداة استراتيجية لتعزيز التنمية، وترسيخ السيادة، وبناء النفوذ. وقد نجح المغرب، بفضل رؤية ملكية بعيدة المدى، في توظيف أدوات السياسة الخارجية لخدمة مشروع وطني متكامل، يقوم على الانفتاح، وتنويع الشراكات، وربط السياسة الخارجية بالأهداف الاقتصادية والأمنية.

وبذلك، لم يعد المغرب يُقاس فقط بما يحققه من مواقف دبلوماسية، بل بما ينتجه من مبادرات إقليمية، وما يبنيه من شبكات تعاون، وما يرسخه من صورة دولة مستقرة وقادرة على التأثير في محيطها.

المحور الثالث: مرتكزات القوة المغربية… الاقتصاد والأمن ورهانات المستقبل

إذا كانت الدبلوماسية قد شكلت الواجهة الأكثر بروزاً في صعود المغرب إقليمياً، فإن هذا الصعود ما كان ليتحقق لولا بناء قاعدة داخلية متينة، قوامها اقتصاد أكثر تنافسية، وبنية تحتية حديثة، ومؤسسات أمنية وعسكرية متطورة، ورؤية تنموية طويلة المدى. فالأدبيات المعاصرة في العلاقات الدولية تؤكد أن النفوذ الخارجي لا يمكن أن يستمر دون قاعدة داخلية قوية، وهو ما أدركته المملكة مبكراً من خلال ربط السياسة الخارجية بمشروع تنموي شامل.

أولاً: الاقتصاد الوطني… من اقتصاد تقليدي إلى منصة صناعية إقليمية ودولية

شهد الاقتصاد المغربي خلال ربع القرن الأخير تحولاً هيكلياً لافتاً. فبعد أن كان يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع الفلاحي وبعض الأنشطة التقليدية، أصبح أكثر تنوعاً وانفتاحاً، مع بروز قطاعات صناعية ذات قيمة مضافة عالية.

وقد استثمرت الدولة في تطوير البنية التحتية باعتبارها ركيزة لجذب الاستثمار، فتم إنشاء شبكة حديثة من الطرق السيارة، وتوسيع المطارات، وإنجاز القطار فائق السرعة، إلى جانب تطوير ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح أحد أهم الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ومحوراً لوجستياً يربط أوروبا وإفريقيا والأمريكتين.

كما تمكن المغرب من ترسيخ مكانته كأحد أبرز المنتجين للسيارات في إفريقيا، مع تطور الصناعات المرتبطة بالطيران، والإلكترونيات، وصناعة مكونات السيارات، وهو ما عزز اندماجه في سلاسل القيمة العالمية، ورفع من جاذبية المملكة لدى المستثمرين الدوليين.

وفي الوقت نفسه، اتجه المغرب إلى الاستثمار في الاقتصاد الأخضر، من خلال مشاريع الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، بما ينسجم مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد منخفض الكربون، ويعزز الأمن الطاقي للمملكة.

ثانياً: الأمن والدفاع… بناء قوة ردع حديثة

في بيئة إقليمية تتسم بتنامي التهديدات الأمنية، من الإرهاب إلى الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، أولى المغرب أهمية كبيرة لتحديث منظومته الأمنية والعسكرية.

فقد شهدت القوات المسلحة الملكية برامج متواصلة لتحديث المعدات، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتطوير منظومات القيادة والاستخبارات، مع توسيع التعاون العسكري مع عدد من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي المجال الأمني، راكمت الأجهزة المغربية خبرة معترفاً بها دولياً في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، من خلال مقاربة تجمع بين العمل الاستخباراتي، والتنسيق الدولي، والوقاية الفكرية، والإصلاح الديني. وقد جعل هذا النموذج من المغرب شريكاً أساسياً في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، سواء في منطقة الساحل أو في الفضاء المتوسطي.

إن هذه القدرات لا تعكس توجهاً نحو عسكرة السياسة الخارجية، وإنما تعبر عن إدراك متزايد بأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في غياب بيئة آمنة، وأن الأمن أصبح أحد عناصر القوة الشاملة للدولة.

ثالثاً: القوة الناعمة… رصيد حضاري في خدمة المكانة الدولية

إلى جانب القوة الاقتصادية والأمنية، استثمر المغرب في تعزيز قوته الناعمة باعتبارها أحد أهم مصادر التأثير في القرن الحادي والعشرين.

ويستند هذا الرصيد إلى عدة عناصر، من أبرزها:

  • الإرث الحضاري والثقافي للمملكة، باعتبارها ملتقى للحضارات الإفريقية والأندلسية والعربية والأمازيغية.
  • النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، القائم على الوسطية والاعتدال، والذي أصبح محل اهتمام العديد من الدول الإفريقية.
  • الحضور الثقافي والفني المغربي، وما يرافقه من مهرجانات ومؤسسات ثقافية ذات إشعاع دولي.
  • الدور المتنامي للجالية المغربية المقيمة بالخارج، باعتبارها جسراً للتواصل الاقتصادي والثقافي والإنساني مع مختلف دول العالم.
  • الإنجازات الرياضية، التي أسهمت في تعزيز صورة المغرب كدولة قادرة على التنظيم والمنافسة، وأبرزت أهمية الرياضة كأداة للدبلوماسية العامة.

وقد اكتسبت القوة الناعمة المغربية زخماً إضافياً مع الاستعدادات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو حدث يتجاوز البعد الرياضي ليشكل فرصة لتعزيز مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.

رابعاً: التحديات التي تواجه استمرار الصعود

رغم ما تحقق من منجزات، فإن الحفاظ على مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة يظل رهيناً بقدرته على التعامل مع عدد من التحديات الاستراتيجية، من أهمها:

أولاً، تسريع وتيرة النمو الاقتصادي بما يضمن خلق فرص الشغل، خاصة لفائدة الشباب، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ثانياً، تعزيز الأمن المائي والغذائي في ظل التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف، بما يتطلب مواصلة الاستثمار في تحلية مياه البحر، وتحديث أساليب تدبير الموارد المائية.

ثالثاً، رفع تنافسية الاقتصاد الوطني عبر الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، والبحث العلمي، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، بما يضمن انتقال المغرب من اقتصاد التصنيع إلى اقتصاد المعرفة.

رابعاً، مواصلة تطوير الرأسمال البشري من خلال إصلاح منظومتي التعليم والتكوين، باعتبارهما الأساس الحقيقي لأي مشروع تنموي مستدام.

خامساً، الحفاظ على التوازن في السياسة الخارجية في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى، بما يضمن استمرار استقلالية القرار الوطني وتعظيم المصالح الاستراتيجية للمملكة.

خامساً: المغرب 2035… نحو ترسيخ مكانة القوة الإقليمية والدولية

وتؤشر الدينامية الإصلاحية المتواصلة إلى أن المغرب ماضٍ في ترسيخ موقعه كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين في الفضاء الإفريقي والمتوسطي والأطلسي.وتستند هذه الإمكانية إلى عدد من المقومات، منها:

  • موقع جغرافي استثنائي يربط بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.
  • استقرار سياسي ومؤسساتي.
  • اقتصاد متنوع وقابل للتطور.
  • بنية تحتية ذات معايير دولية.
  • دبلوماسية نشطة ومتوازنة.
  • شراكات استراتيجية متعددة.
  • رصيد متزايد من القوة الناعمة.

غير أن بلوغ هذه المكانة بصورة مستدامة سيظل رهيناً بقدرة المملكة على تحويل الإنجازات الحالية إلى نموذج تنموي أكثر شمولاً، يحقق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية في آن واحد.

الخاتمة

بعد سبعة وعشرين عاماً على اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، يصعب اختزال التجربة المغربية في حصيلة مشاريع أو مؤشرات اقتصادية فقط. فقد شهدت المملكة تحولاً عميقاً في فلسفة إدارة الدولة، انتقلت معه من التركيز على تدبير التوازنات الداخلية إلى تبني رؤية استراتيجية شاملة، تربط بين التنمية، والسيادة، والدبلوماسية، والأمن، والانفتاح الاقتصادي.

لقد استطاع المغرب أن يرسخ حضوره كفاعل موثوق في محيطه الإقليمي والدولي، مستنداً إلى مؤسسات مستقرة، وسياسة خارجية استباقية، واقتصاد أكثر تنوعاً، وشبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية. كما نجح في توظيف أدوات القوة الصلبة والناعمة والذكية بطريقة متوازنة، جعلت منه نموذجاً متميزاً بين الدول متوسطة الحجم التي تسعى إلى تعظيم نفوذها دون الانخراط في سياسات الهيمنة أو الصدام.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا المسار يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، وتعزيز الاستثمار في الإنسان والمعرفة والابتكار، باعتبارها الركائز الأساسية لقوة الدول في القرن الحادي والعشرين.

وفي هذا السياق، يمثل عيد العرش لسنة 2026 مناسبة لا للاحتفاء بالمنجزات فحسب، بل أيضاً للتأمل في مسار دولة اختارت، بقيادة الملك محمد السادس، أن تجعل من الاستقرار منصة للإصلاح، ومن التنمية أداة لتعزيز السيادة، ومن الشراكة بديلاً عن الصراع، ومن الرؤية الاستراتيجية أساساً لبناء مستقبل يرسخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة ذات تأثير متزايد في محيطها الإفريقي والمتوسطي والدولي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولاً: المراجع العربية

1.
العروي، عبد الله. (2014). مفهوم الدولة (الطبعة التاسعة). الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.

2.
العروي، عبد الله. (1996). مفهوم الحرية. الدار البيضاء، المغرب: المركز الثقافي العربي.

3.
الخزاعي، ثامر كامل. (2013). النظم السياسية والسياسات العامة. عمّان، الأردن: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.

4.
المندوبية السامية للتخطيط. (2025). الميزانية الاقتصادية الاستشرافية 2025. الرباط، المغرب: المندوبية السامية للتخطيط.

5.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. (2025). التقرير السنوي 2025. الرباط، المغرب: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

ثانياً: المراجع الأجنبية

6.
Nye, Joseph S. Jr. (2004). Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: PublicAffairs.

7.
Buzan, Barry, & Wæver, Ole. (2003). Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press.

8.
Stuenkel, Oliver. (2016). Post-Western World: How Emerging Powers Are Remaking Global Order. Cambridge, United Kingdom: Polity Press.

9.
Porter, Michael E. (1998). The Competitive Advantage of Nations. New York: Free Press.

10.
Keohane, Robert O., & Nye, Joseph S. (2012). Power and Interdependence (4th ed.). Boston: Pearson.

ثالثاً: التقارير الدولية

11.
World Bank. (2025). Morocco Economic Monitor: Unlocking Growth and Job Creation. Washington, DC: World Bank.

12.
International Monetary Fund (IMF). (2025). Kingdom of Morocco: 2025 Article IV Consultation—Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Morocco. Washington, DC: International Monetary Fund.

13.
African Development Bank. (2025). African Economic Outlook 2025. Abidjan, Côte d’Ivoire: African Development Bank Group.

14.
Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). (2025). SIPRI Yearbook 2025: Armaments, Disarmament and International Security. Oxford: Oxford University Press.

15.
United Nations Development Programme (UNDP). (2025). Human Development Report 2025. New York: United Nations Development Programme.

د. عياد جلول

مدير الأبحاث والدراسات كاتب وأكاديمي من لبنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى