وجهات نظر

لماذا تحولت السعودية من الدفاع الردعي إلى الدفاع الهجومي؟

مر الشرق الأوسط بتحولات عميقة ومراحل كبرى غيرت خريطته السياسية بعد الحرب العالمية الثانية 1945، بتراجع النفوذ البريطاني والفرنسي، وتأسيس الجامعة العربية 1945 لتعزيز التنسيق العربي، أعقبها تأسيس إسرائيل عام 1948 أربك العرب وأدخلهم في صراع مرير، عزز من قوة إسرائيل بعد هزيمة 1967، وصعود تيارات قومية عربية التي لم تفلح في مواجهة إسرائيل بل ضمت إسرائيل مزيدا من الأراضي العربية، لكن حرب 1973 هدد أمن إسرائيل، انتجت اتفاق السلام المنفردة بين إسرائيل ومصر كامب ديفيد عام 1978، أتبعت بثورة في إيران 1978 لتغيير موازين القوى الإقليمية في الخليج وفي المنطقة.

 نتج عنها حرب إيرانية عراقية 1980-1988، وغزو الكويت 1991، رسخ حضورا عسكريا أمريكيا، تبع هذه الحرب غزو العراق عام 2003، استولت إيران على العراق تحت المظلة الأمريكية، بعدما كان العراق نافذة إلى المنطقة العربية، عززت إيران من نفوذها بعد احتجاجات عام 2011، تحولت الصراعات المحلية في عدة دول إلى أزمات وحروب أهلية وتدخلات إقليمية ودولية، وهي خدمة للمشاريع الاستراتيجية الغربية الأمريكية تقاطعت مع المصالح الإيرانية،  ما يعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير التي روجت له الإدارة الأمريكية على لسان وزير الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس عام 2005، بينما تعزى الجذور الفكرية والخرائط التقسيمية للمؤرخ والمستشرق برنارد لويس عبر دعواته لتسويق الديمقراطية المزعومة وإعادة تقسيم دول المنطقة على أسس عرقية ومذهبية.

تحول الشرق الأوسط إلى منطقة نمو اقتصادي تخدم المصالح الغربية، جاءت نتيجة عوامل استراتيجية مرتبطة بأمن الطاقة، والتحكم في الممرات البحرية العالمية وسلاسل الإمداد، وجهود التنويع الاقتصادي الإقليمي، نتيجة امتلاك المنطقة احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي جعلها المورد الأساسي لاستقرار ونمو اقتصاديات الدول الغربية، وبشكل خاص أوروبا، وبالطبع هي مهمة أيضا لآسيا، وهي منطقة تتحكم في ممرات بحرية حاسمة مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس يربط التجارة بين الشرق والغرب، خصوصا وأن الغرب يتجه نحو إعادة توطين الصناعات وتنويع مصادر التوريد عزز اعتماد الدول الكبرى على الشراكات الاقتصادية مع السعودية ومع بقية دول الخليج وبشكل خاص دولة الإمارات، ما يتطلب عودة الاستقرار بالمنطقة، وترى أن إيران ومحورها يهدد الاستقرار بالمنطقة فلابد من القضاء عليه.

يشجع الولايات المتحدة على تقليص تهديد إيران وتفكيك محور إيران في سوريا ولبنان والعراق واليمن استثمار دول الخليج في قطاعات التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، مما خلق بيئة جاذبة لرأس المال الغربي، على غرار الانفتاح الغربي على الصين في أواخر السبعينيات استهدف استراتيجيا إحداث شقاق مع المعسكر السوفيتي، فيما تم احتواء الاقتصاد الياباني في الثمانينات عبر أدوات نقدية وتجارية مباشرة مثل اتفاقية بلازا عام 1985 وفرض قيود على الصادرات لا عبر بناء قاعدة صناعية بديلة، بينما حاليا تتجه نحو تنمية منطقة الشرق الأوسط بقيادة سعودية عبر رؤيتها لتقليل الاعتماد المفرط على المصانع الصينية في قطاعات التكنولوجيا الدقيقة والمعادن النادرة، ومواكبة التحول الاقتصادي الذي تقوده السعودية ودول الخليج في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ودمج البنى التحتية السعودية الخليجية بالشركات الغربية الكبرى لضمان عدم وقوع قطاع التقنية بيد المنافسين للغرب، وفي نفس الوقت ضمان تدفقات مستقرة للنفط والغاز أثناء مرحلة الانتقال الطاقي المعقدة عالميا، إضافة إلى طبيعة المنافسة التكنولوجية الحالية بين واشنطن وبكين في أسواق الخليج.

تتجه أمريكا إلى إيجاد حكومة جديدة في إيران، بل تعتمد استراتيجية الضغط العسكري والاقتصادي القاسي وستتجه بعد الحصار البحري إلى الحصار البري وتقنع الدول المجاورة مثل باكستان وتركيا وغيرها من الدول المجاورة بتطبيق حصار بري، لرفع تكلفة التمسك بالأيديولوجية الثورية، لإجبار القيادة الحالية أو التيارات البراغماتية فيها على تبني سياسات واقعية بعيدة عن الشعارات الأيديولوجية المتشددة والتخلي عن أدوات المواجهة الإقليمية، مع فتح مسارات تفاوضية مع الأجنحة البراغماتية في طهران نحو قبول تسويات قائمة على المصالح المادية وتبادل المنافع بدلا من العداء العقائدي.

تتجه الولايات المتحدة بدعم حلفائها في المنطقة وبشكل خاص السعودية لتقويض البنى التحتية واللوجستية للمليشيات الموالية لإيران في المنطقة، بهدف إضعاف نفوذ طهران الإقليمي ودفعها للرضوخ بشروط التفاوض، ودعم تصاعد العمل العسكري المباشر واستهداف شبكات الإمداد، تؤكد الإدارة الأمريكية تركيزها على الردع وإجبار النظام على التراجع وليس بالضرورة إسقاطه كهدف نهائي معلن، يأتي بضرب المليشيات الإقليمية عبر تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة كالضربة السعودية الأمريكية للحشد الشعبي الذي أطلق مسيراته على السعودية ودول الخليج بالتنسيق مع مليشيات الحوثي وإطلاق أكثر من 600 مسيرة، تستهدف مواقع الإمداد ومستودعات أسلحة الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري في مناطق مثل العراق، ولديها قاعدة في جرف الصخر، من أجل تقويض البنية التحتية وخطوط التواصل التي تعتمد عليها طهران لتمويل ودعم أذرعها في الخارج، من أجل تقليص القدرة الميدانية للمجموعات المسلحة على تنفيذ هجمات استباقية ضد القواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

هدف الولايات المتحدة إنهاك النظام الإيراني المتبقي لا إسقاطه عبر الإنهاك العسكري والاقتصادي عبر حملات قصف متتالية لكسر القدرة الإيرانية على المناورة، ليعود النظام إلى طاولة التفاوض، وحشر إيران في زاوية ضيقة لدفعها نحو تقديم تنازلات جوهرية في الملفات العالقة ومضيق هرمز.

تعاملت واشنطن مع التهديدات والاستهدافات من قبل الحوثيين ضد حركة السفن والناقلات السعودية في البحر الأحمر بنهج يوازن بين تقليل التصعيد العلني والحرص على استقرار الملاحة، في وقت فضلت فيه السعودية حث الإدارة الأميركية على تجنب الضربات الواسعة لمنع تفاقم النزاع الإقليمي، لكن نفذت السعودية بضربات استباقية وردعية ضد أهداف عسكرية مرتبطة بالتهديدات المباشرة في محافظة الحديدة مرتبطة بالتهديد على السفن بالبحر الأحمر انتهت بتحقيق مبدأ التناسب والأهداف العملياتية المخطط لها، وتم تنفيذ العملية وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية وبما يتوافق مع مبدأ التناسب، ولم يتم استهداف ميناء الحديدة وأن جميع الموانئ بما فيها الحديدة ورأس عيسى والصليف مفتوحة امام الملاحة البحرية وتعمل على استقبال السفن الخاصة بنقل المواد الغذائية والبضائع والوقود ومواد البناء وكذلك الرحلات الجوية للمطارات اليمنية.

وصرحت وزيرة خارجية اليمن المعينة حديثا الزوبة التي اتهمت جماعة أنصار الله بالسعي إلى محاكاة ما وصفته بالنموذج الإيراني في مضيق هرمز، وتطبيقه على باب المندب، وهو ممر بحري حيوي يؤدي إلى البحر الأحمر قبالة السواحل اليمنية، من أجل قفل المضيقين بوابتي الدخول على الخليج والبحر الأحمر، وهم يتحركون بتوافق تام مع التصعيد الإيراني في المنطقة منذ نهاية يونيو 2026 وهي الأعنف منذ عام 2022.

                     د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

  أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى